وفي الآية: إشارة إلى حال العلماء والدعاة، فإنهم ورثة الأنبياء، فلهم أعداء وحسّاد يطلقون ألسنتهم في حقهم باللوم والطعن بالجنون والجهل ونحو ذلك، ولكنهم يصبرون على الجفاء والأذى، فيظفرون بمراداتهم كما صبر الأنبياء فظفروا وفي آية أخرى: {وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا} ؛ أي: ظاهرًا بهلاك قومهم، أو بإجابة الدعوة وباطنا بالتخلق بالأخلاق الإلهية مثل الصبر، فإنه نصر أيُّ نصر، إذ به يحصل المرام، وبالصبر ينقلب الإنسان من حال إلى حال أخرى أحسن من الأولى، كما ينقلب النحاس بالإكسير فضةً أو ذهبًا.
ودلّت الآية أيضًا: على أنه ليس من الحكمة أن يقطع لسان الخلق بعضهم عن بعض، ألا ترى أنه تعالى لم يقطع لسان الخلق عن ذاته الكريمة، حتى قالوا في حقه تعالى: إن له صاحبةً وولدًا ونحو ذلك، فكيف غيره تعالى من الأنبياء والمرسلين والعلماء والمقرّبين، فالنار لا ترتفع من الدنيا إلا يوم القيامة، وإنما يرتفع الاحتراق بها، كما وقع لإبراهيم عليه السلام وغيره من الخواض، فكل البلايا كالنار، فبطون العلماء والأولياء وقلوب الصديقين في سلامة من الاحتراق بها، فإنه لا يجري إلا ما قضاه الله تعالى، ومن آمن بقضاء الله .. سَلِمَ من الاعتراض والانقباض، وهكذا شأن الكبار، نسأل الله الغفَّار السلامة من عذاب النار.