[الكهف: 90] يعني: ليس بينهم وبينها حجاب يسترها، ولم يذكر لنا شيئاً بعد مطلع الشمس كما ذكر الدرس السابق عند مغرب الشمس، حيث كان له عمل ودور مع مَنْ أحسن ومن أساء، أما في مطلع الشمس فقال:
{لَّمْ نَجْعَل لَّهُمْ مِّن دُونِهَا سِتْراً} [الكهف: 90] وسكت، فكأن الهدف أنْ نعرف أن ذا القرنين وصل إلى مكان، نهاره طويل لا شيء يحجب الشمس فيه.
وبعد أن اكتشف العلماءُ خطوطَ الطول وخطوط العرض عرفنا أن بعض الأماكن عند القطبين يطول النهار حتى يصل إلى ثلاثة أشهر أو ستة أشهر، وهذه لقطة من إعجاز القرآن العلمي.
فإنْ قلتَ: فكيف يفعل مَنْ يعيش في هذه الأماكن؟ كيف يصلي وكيف يصوم؟ نقول: يُقدِّر لليوم العادي مقداره، ولليل مقداره فيقسم الوقت إلى ليل ونهار كالمعتاد، وكذلك مَنْ كان ليله ثلاثة أشهر أو ستة أشهر.
ملحظ أخير يتعلق بصياغة الآية وما فيها من دقة بيانية، فالحق سبحانه بدأ بآية الليل ثم النهار، وبدأ بالشمس ثم القمر {وَمِنْ آيَاتِهِ الَّيلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ ..} [فصلت: 37] وكانت المناسبة تقتضي أنْ يقول: والقمر ليناسب الليل، والشمس لتناسب النهار.
لكن لصياغة القرآن حكمة ودقة بيانية، فالحق سبحانه يبدأ بالأهم في حركة الحياة، فالليل جُعِل للراحة والنهار للعمل، لأن الخالق سبحانه خلق الإنسانَ لإعمار الأرض، وللسعي في مناكبها، ولا إعمارَ إلا بحركة، والحركة تحتاج إلى زمنين: زمن للراحة، وزمن للعمل.
فقدَّم الليل وقت الراحة لأنك لا تنتج ولا تكدّ إلا إذا أخذتَ حظك من الراحة أولاً، فكأن الراحة أولاً هي أصلٌ يأتي بعدها العمل، وإلا فالمتعب المكدود لا ينتج ولا ينجز، كذلك قدَّم الشمس على القمر، لأنها الأعظم والأهم، ومنها تستمد كل النجوم والكواكب نورها.
وما دُمْنا بصدد الحديث عن الليل والنهار، فلا بدَّ أن يواجهنا هذا السؤال: أيهما أوَّلٌ في الخَلْق؟ البعض يقول: الليل أولاً. بدليل أننا نثبت مثلاً دخولَ رمضان بليله لا بنهاره، فحين نرى الهلال نقول: غداً رمضان، والذين يعتقدون أن الليل وُجد أولاً لابدَّ أن لديهم قضية أخرى هي أن النهار غير سابق لليل.
الحق سبحانه يُنهي هذه المسألة، فيقول سبحانه:
{لاَ الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ القَمَرَ وَلاَ الَّيلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [يس: 40] .