لكن الخيبة أن كثيرين منا ينساقون وراء الشيطان، ويُسْلمون له قيادهم، وما يفعله الشيطان مع هؤلاء أنه يعطيهم أول الخيط ويتركهم هم (يكرُّون) الباقي دون جهد منه ودون عناء، وهؤلاء هم الذين استزلَّهم الشيطان وأخضع رقابهم، فهم يسيرون في رَكْبه دون تفكير أو تأمُّل.
هَبْ أن لصاً جاء يحوم حول بيتك، فقلت: إحم، تريد أن تُسمعه ويعرف أنك يقظ، لا بدَّ أنه ينصرف، وقد يعتبر أنها مصادفة فيعاود مرة أخرى فتقول: إحم، إذن: ليست مصادفة بل أنت له بالمرصاد فأنت متيقظ، لذلك ينصرف عنك بلا رجعة، كذلك الشيطان.
قلنا: من غباء إبليس وغفلته أنْ يعلن لنا عن خططه في غواية بني آدم ويعلن عن أساليبه، والغباء يكون أعظم لمن عرف هذه الخطط وهذه الأساليب، وانساقَ وراءها ولم يأخذ الحيْطة.
وحين نتأمل قول إبليس:
{ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ ..} [الأعراف: 17] تلحظ أنه ترك جهتين لم يذكر أنه يأتي منهما: جهة أعلى وجهة أسفل، لماذا؟ قالوا: لأن العلُو جهة التوجه إلى الله، جهة عِزِّ الربوبية، وجهة الأسفل تمثل ذُلَّ العبودية ساعة تسجد لله ذلاً وخضوعاً له سبحانه، فهاتان الجهتان لا يأتي منهما الشيطان.
وقوله: {إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [فصلت: 36] الذي لا يغيب عن سَمْعه شيء، فإنْ وسوس لك الشيطان بكلام سمعه وعلمه.
بعد أن بيَّن لنا القرآن هذا البيان، يعود ليلفتنا ثانياً إلى بعض آيات الله في الكون، فبهذه الآيات نستدل على وجود الخالق سبحانه وعلى قدرته تعالى، حيث لو جاءت هذه الآياتُ على أيدي علماء كافرين بالله إلا أننا ننتفع بها، والله مساكين هؤلاء العلماء ينفعون البشرية كلها ولا ينفعون أنفسهم، لأنهم - كما قلنا - لا ينطلقون في اختراعاتهم وابتكاراتهم من منطلق الإيمان بالإله تبارك وتعالى، فهم كالمطايا ينتفع الناس بخيرهم، ولا ينالهم من ذلك شيء، اللهم إلا متاع الدنيا الزائل.
وأقرب آيات للإنسان نفسه لو تأملها، مثلاً درجة الحرارة الطبيعية للجسم 37 تجدها ثابتة فيمَنْ يعيش عند خط الاستواء، وفيمن يعيش عن القطب الشمالي، وأنتم تعرفون نظرية الاستطراق الحراري، لكن قدرة الله تحتفظ للجسم بهذه الدرجة بصرف النظر عن الجو المحيط به.