[ص: 82 - 83] يعني: يا رب أنا لستُ متمرداً عليك إنما على ذرية آدم، فالذي تريده طائعاً لا يمكن لي أنْ أغويه، فليس لي سلطانٌ على المخلصين منهم.
ومن خيبة إبليس أنه أفشى سره، وأعلن عن وسائله في غواية بني آدم، ومعلوم أن الذي يصنع مكيدة أو مؤامرة يحتفظ لنفسه بالتفاصيل، أمَّا إبليس فأعلن عنها، فأعطانا الله الاحتياط.
قال تعالى حكايةً عن إبليس:
{لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ} [الأعراف: 16] أقعد لهم على الصراط. يعني: على طريق الاستقامة وفعل الخير لأشغلهم عنه وأفسده عليهم. ولذلك قلنا: إن الشيطان لا يذهب إلى الخمارة مثلاً، إنما يذهب إلى المسجد.
وفي موضع آخر قال:
{ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ ..} [الأعراف: 17] .
{وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}
ومن رحمة الله بنا أنه سبحانه لم يتركنا نهباً لهذا العدو الذي يتربص بنا، إنما أعطانا الحصانة التي نتحصَّن بها منه، فقال تعالى: {وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ..} [فصلت: 36] ذكَّره بالله القوي، فإنْ كنتَ أنتَ ضعيفاً أمامه فاستعِنْ عليه بالإله القوي، وساعةَ يراك في جنب الله لا يجرؤ أبداً عليك، لأنك داخل في هؤلاء الذين استثناهم
{إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} [ص: 83] .
وانتبه أنه لن يأتيك إلا على الصراط المستقيم ليفسده عليك، يأتيك في صلاتك ويُذكِّرك بما لم يكًُنْ لك على بال، وبأهم الأمور عندك في الدنيا، المهم عنده أنْ يفسد عليك الآخرة بأي ثمن.
فإذا وجدتَ في نفسك شيئاً من نَزْغه ووسوسته فقل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قُلْها في كل حال يأتيك فيه إبليس وأنت تصلي، وأنت تقرأ القرآن، وأنت في أيّ عبادة من العبادات.
لك أنْ تقول هذه الكلمة وهي لا تُخرجك من عبادتك على أيِّ حال، وعندما تداوم على هذه الكلمة سييأس منك ويبتعد عنك، ويعرف أنك صَلْبٌ قويٌّ تستمد قوتك من الله، عندها سينصرف عنك، ولم لا وأنت تعرف ألاعيبه وتكشف حيله؟