إنّ الكُليتين تصفِّيانِ في اليومِ الواحدِ من الدمِ ما حجمُه ألفٌ وثمانمئةِ لترٍ، وإنْ تعجبْ فعجبٌ ورودُ هذا الرقمِ نفسِه في مصادرَ عدّة، ممّا يُخرِج الخبرَ عن أنْ يكونَ غريباً أو شاذّاً.
أعتقدُ أنَّ أسرةً متوسطةً تستهلكُ هذا الحجمَ كوقودٍ طوالَ السنةِ.
ثم إنّ في الكليتين طريقاً دقيقاً من الأنابيبِ، من النفرونات، طولُه ستون كيلو متراً.
وفي هاتين الكليتين طاقةً لتصفيةِ عشرين ضِعفاً من حاجةِ الإنسانِ إلى التصفيةِ.
لذلك إذا استُؤصِلتِ الكليةُ لسببٍ ما فإنّ الإنسانَ يعيشُ حياةً مديدةً بكليةٍ واحدةٍ، أليس هذا من رحمةِ اللهِ عزَّ وجل؟ لأنّ الكليةَ جهازٌ خطيرٌ، فقد جعلَ لك قطعةَ غيارٍ احتياطيةً زائدةً، أو كليةً زائدةً على حاجتِك.
مَن منا يُصدَّقُ أنّ الدمَ بكاملِه يمرُّ في الكليتين ستاً وثلاثين مرةً، في كلِّ أربعٍ وعشرين ساعةً.
إنَّ هاتين الكليتين تقومان بعمليةٍ في منتهى التعقيدِ، تأخذانِ من الدم الموادَّ السكريةَ، والمعادنَ، والبروتيناتِ، وتطرحُها في الوريدِ الخارجِ منها بنسبٍ نظاميةٍ، وأمّا ما زادَ من السكرياتِ على حاجةِ الدمِ فيُطرحُ في البولِ.
إذا أُصيبَ الإنسانُ بمرضِ السكرِ، كيف يعرفُ ذلك؟ من وجودِ السكرِ في البولِ، معنى ذلك أن الكليةَ تأخذُ نسبةً نظاميةً للسكرِ، وتطرحُ الباقي مع البولِ، وإذا أكلَ الإنسانُ ملحاً كثيراً، وفَحَصْنَا بولَه، وجدْنا أنَّ جزءاً من هذا الملحِ طُرِحَ مع البولِ.
إن الكلية، كما قال بعضُ العلماءِ:"تتيحُ لك أنْ تأكلَ كلَّ شيءٍ، ولو ارتفعتْ نسبةُ الأملاحِ في الدمِ على ثمانيةٍ بالألفِ لَمَاتَ الإنسانُ"، فمَن الذي يضمنُ ثباتَ هذه النسبةِ في الدمِ؟ إنهما الكليتان.