وموضوعُ البلعِ موضوعٌ دقيقٌ جداً، هناك اللهاةُ، وهناك لسانُ المزمارِ، فالإنسانُ حينما يبلعُ اللقمةَ تأتي اللهاةُ، وتغلقُ طريقَ الأنفِ - فتحتي الأنف الخَلفيتينِ - ويأتي لسانُ المزمارِ، ويغلقُ الحَنجرةَ، لكنْ وأنتَ نائمٌ بالليلِ يجتمعُ اللعابُ في فَمِكَ، وتجري عمليةٌ بالغةُ الدقّةِ، حيث إنّ هناك تنبيهاتٍ عصبيةٍ من الفمِ إلى البصلةِ السيسائيةِ، تجمعُ اللعابَ كثيراً، فيأتي الأمرُ للسانِ المزمارِ، واللهاةِ فتغلقان طريقَ الأنفِ، وطريقَ الحنجرةِ، وينتقلُ اللعابُ إلى المريءِ، كلُّ هذا يجري وأنت نائمٌ، والعناية الإلهية متيقظة.
إنّ عمليةَ البلعِ تحكمُها الأعصابُ القحفيةُ، السابعُ (الوجهي) ، والتاسع عشر، والحادي عشر، والثاني عشر، وكلُّها تمرُّ في جذعِ الدماغِ، فإذا أُصيبَ هذا المركزُ بالعطبِ لسببٍ أو لآخرَ ارتدَّ الطعامُ إلى الأنفِ، وخَرَجَ منه، وارتدَّ الطعامُ إلى الحنجرةِ، ومنها إلى الرئتين، وفي هذه الحالةِ يكون الموتُ المحقَّقُ بالاختناقِ.
هذا المريءُ طولُه خمسون سنتيمتراً، وهو مزوَّدٌ بعضلاتٍ حلقيةٍ تتقلّصُ بالتدريجِ، فلو أنّ الإنسانَ كان مضطجعاً في مستشفى، وأعطيناه الطعامَ لسارَ سيراً طبيعيّاً، من أول المريءِ إلى المعدةِ، ولو أننا عَلَّقنَا إنساناً من رجليه، وأطعمناه لقمةً لذهبتْ نحوَ الأعلى على خلافِ الجاذبيةِ، لأن هذا المريءَ فيه عضلاتٌ دائريةٌ تتقلّصُ تباعاً، فتنقلُ اللقمةَ إلى المعدةِ، ولو كنتَ في أي اتجاهٍ.