والعرض حقيقته: إظهار شيء لمن يراه لترغيب أو لتحذير وهو يتعدّى إلى الشيء المظْهَر بنفسه وإلى من يُظهَر لأجله بحرف (على) ، وهذا يقتضي أن المعروض عليه لا يكون إلا من يَعقل ومنزّلاً منزلة من يعقل ، وقد يقلب هذا الاستعمال لقصد المبالغة كقول العرب"عرضتُ الناقةَ على الحوض"، وحقه: عرضت الحوض على الناقة ، وهو الاستعمال الذي في هذه الآية وقوله في سورة الأحقاف (20) {ويوم يعرض الذين كفروا على النار} وقد عدَّ علماء المعاني القلب من أنواع تخريج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر ومثلوا له بقول العرب: عرضت الناقة على الحوض.
واختلفوا في عدّه من أفانين الكلام البليغ فعدّه منها أبو عبيدة والفارسي والسكاكي ولم يقبله الجمهور ، وقال القزويني: إن تضمن اعتباراً لطيفاً قُبِل وإلاّ رُدّ.
وعندي أن الاستعمالين على مقتضى الظاهر وأن العَرض قد كثر في معنى الإمرار دون قصد الترغيب كما يقال: عُرض الجيش على أميره واستعرضه الأمير.
ولعلّ أصله مجاز ساوى الحقيقة فليس في الآيتين قلب ولا في قول العرب: عرضت الناقة على الحوض ، قَلب ، ويقال: عُرض بنو فلان على السيف ، إذا قُتلوا به.
وخرج في"الكشف"آية الأحقاففِ على قولهم: عُرض على السيففِ.
ومعنى عرضهم على النار أن أرواحهم تُشاهِد المواضع التي أعدت لها في جهنم ، وهو ما يبينه حديث عبد الله بن عُمر في"الصحيح"قال: قال رسول الله:"إن أحدكم إذا مات عُرض عليه مقْعَدُه بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة ، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار فيقال: هذا مقعدك حتى يبعثَك الله يوم القيامة"
وقولُه: {غُدُوّاً وعَشِيّاً} كناية عن الدوام لأن الزمان لا يخلو عن هاذين الوقتين.