والخلاصة: أن فعل فرعون وأمثاله صنيع المكذبين الضالين، وأن عاقبة كفرهم وضلالهم وتكذيبهم الهلاك والخسران، وأن تدبير فرعون الذي دبّره ليصرف الناس عن الإيمان بموسى عليه السلام مبدّد ضائع لا فائدة فيه.
فقه الحياة أو الأحكام:
تدلّ هذه الآيات على نوع من التمويه والمكر والخداع الذي لجأ إليه فرعون، لإنكار ألوهية الله ووجوده، وتكذيب رسالة موسى عليه السلام، لما خاف أن يتمكن كلام الرجل المؤمن في قلوب القوم، وقد أدرك قوة حجته، وأصالة فكره، وسلامة منطقه.
أوهم الناس أنه يمتحن ما جاء به موسى من التوحيد، فإن نجح تحقق غرصه، وإن خاب ثبّتهم على دينهم، فأمر هامان ببناء الصّرح. ونحن نثق بوجود هذا الوزير في عهد فرعون، وإن لم يعرف هذا الاسم في تاريخ الفراعنة، لأن كلام الله تعالى حجة قطعية.
وأغلب المفسرين الظاهريين على أن فرعون قصد فعلا بناء الصرح ليصعد إلى السماء، فيرى إله موسى إن كان موجودا، وإلا أخبر قومه بعدم وجوده، وأنه هو الإله والرّب الأعلى. واستبعد الرازي على فرعون الذكي الحاكم القوي لجوءه إلى
مثل ذلك، لأن كل عاقل يعلم ببديهة عقله أنه يتعذر في قدرة البشر وضع بناء يكون أرفع من الجبل العالي. والراجح أن فرعون كان من الدهرية، وغرضه من هذا الكلام إيراد شبهة تشغل الناس في نفي الإله الخالق الصانع. وكأنه يقول: لو كان إله موسى موجودا لكان له محل، ومحله إما الأرض وإما السماء، وإذا لم نره في الأرض، فهو في السماء، والسماء لا يتوصل إليها إلا بسلّم، فيجب بناء صرح للوصول إليه.
وأبطل الرازي هذه الشبهة، لأن طرق العلم بالأشياء ثلاثة: الحس، والخبر، والنظر، ولا يلزم من انتفاء طريق واحد هو الحس، انتفاء المطلوب، وذلك لأن موسى عليه السلام كان قد بيّن لفرعون أن الطريق إلى معرفته تعالى إنما هو الحجة والدليل، كما قال: رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ [الشعراء 26/ 26] ، رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ [الشعراء 26/ 28] إلا أن فرعون لخبثه ومكره تغافل عن ذلك الدليل.