36 -ثمّ لمّا سمع فرعون هذا .. رجع إلى تكبّره وتجبّره، معرضًا عن الموعظة، نافرًا من قبولها {وَقَالَ فِرْعَوْنُ} اللعين لوزيره، قصدًا إلى صعود السماوات لغاية تكبره وتجبره: {يَا هَامَانُ ابْنِ لِي} أمر من بني يبني بناء، {صَرْحًا} ؛ أي: قصرًا مشيدًا بالآجر؛ أي: بناء عاليًا رفيعًا مكشوفًا ظاهرًا لا يخفى على الناطرين، وإن بعد من الآجر وهو الطوب المحروق، كما قال في سورة القصص: {فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا} ولهذا كره الآجر في القبور، كما في"عين المعاني"؛ أي: لأنّ فرعون أول من اتخذه.
قال في"كشف الأسرار": كان هامان وزير فرعون، ولم يكن من القبط ولا من بني إسرائيل؛ يقال: إنه لم يغرق مع فرعون وعاش بعده زمانًا شقيًا محزونًا يتكفف الناس. {لَعَلِّي أَبْلُغُ} وأصعد من ذلك الصرح {الْأَسْبَابَ} والطرق العلوية
37 - {أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ} ؛ أي: طرقها وأبوابها، وهو بيان للأسباب؛ لأن الشيء إذا أبهم ثم فسّر .. كان أوقع في النفوس، وأنشد الأخفش عند تفسيره للآية بيت زهير:
وَمَنْ هَابَ أَسْبَابَ الْمَنَايَا يَنَلْنَهُ ... وَلَوْ رَامَ أَسْبَابَ السَّمَاءِ بِسُلَّمِ
وقيل: أسباب السماوات: الأمور التي يستمسك بها، وفي"فتح الرحمن":
فَإِنْ قُلْتَ: ما فائدة التكرار هنا؟
قلت: فائدته: أنه إذا أبهم ثم أوضح .. كان تفخيمًا لشأنه، فلما أراد تفخيم ما أمل بلوغه من أسباب السماوات .. أبهمها ثم أوضحها. اهـ.
{فأطلع} وأنظر {إِلَى إِلَهِ مُوسَى} بفتح الهمزة ونصب العين على جواب الترجي، وقرأ الجمهور {فأطلع} بالرفع عطفًا على {أبلغ} ، فهو على هذا داخل في حيّز الترجي، وقرأ الأعرج والسلمي وعيسى بن عمر وحفص وأبو حيوة وزيد بن علي والزعفراني وابن مقسم {فَأَطَّلِعَ} بالنصب على جواب الترجي، كما قاله أبو عبيد وغيره، أو على جواب الأمر في قوله: {ابْنِ لِي صَرْحًا} نظير قوله:
يَا نَاقُ سِيْرِيْ عَنَقًا فَسِيْحَا ... إِلَى سُلَيْمَانَ فَنَسْتَرِيْحَا