فقوله: فيه تسيمون ، أي تتركون أنعامكم سائمة فيه تأكل منه من غير أن تتكلفوا لها مؤونة العلف كما تقدم إيضاحه بشواهده العربية ، في النحل وكقوله تعالى
{الذي جَعَلَ لَكُمُ الأرض مَهْداً وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً وَأَنزَلَ مِنَ السمآء مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّن نَّبَاتٍ شتى كُلُواْ وارعوا أَنْعَامَكُمْ} [طه: 5354] الآية. وقوله تعالى: {أَخْرَجَ مِنْهَا مَآءَهَا وَمَرْعَاهَا والجبال أَرْسَاهَا مَتَاعاً لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ} [النازعات: 3133] إلى غير ذلك من الآيات.
قوله تعالى: {وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلاَّ مَن يُنِيبُ} .
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة ، أن الناس ما يتذكر منهم ، أي ما يتعظ بهذه الآيات المشار إليها في قوله: {هُوَ الذي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ السمآء رِزْقاً وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلاَّ مَن يُنِيبُ} أي من رزقه الله الإنابة إليه.
والإنابة: الرجوع عن الكفر والمعاصي ، إلى الإيمان والطاعة.
وهؤلاء المنيبون ، المتذكرون ، المتعظون ، هم أصحاب العقول السليمة من شوائب الاختلال ، المذكورون في قوله تعالى في أول سورة آل عمران: {وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألباب} [آل عمران: 7] وفي قوله تعالى في سورة إبراهيم {وليعلموا أَنَّمَا هُوَ إله وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ الألباب} [إبراهيم: 52] إلى غير ذلك من الآيات.
وقد دلت آية المؤمن هذه ، وما في معناها من الآياتن على أن غير أولي الألباب المتذكرين المذكورين آنفاً ، لا يتذكر ولا يتعظ بالآيات ، بل يعرض عنها أشد الإعراض.