ثم أجاب الله سبحانه عن قولهم هذا بقوله: {ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِىَ الله وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ} أي: ذلك الذي أنتم فيه من العذاب بسبب أنه إذا دعي الله في الدنيا وحده دون غيره كفرتم به ، وتركتم توحيده {وَإِن يُشْرَكْ بِهِ} غيره من الأصنام ، أو غيرها {تُؤْمِنُواْ} بالإشراك به ، وتجيبوا الدّاعي إليه ، فبيّن سبحانه لهم السبب الباعث على عدم إجابتهم إلى الخروج من النار ، وهو ما كانوا فيه من ترك توحيد الله ، وإشراك غيره به في العبادة التي رأسها الدّعاء ، ومحل ذلكم الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف ، أي: الأمر ذلكم ، أو مبتدأ خبره محذوف ، أي: ذلكم العذاب الذي أنتم فيه بذلك السبب ، وفي الكلام حذف ، والتقدير: فأجيبوا بأن لا سبيل إلى الرّدّ ، وذلك لأنكم كنتم إذا دعي الله...
إلخ {فالحكم للَّهِ} : وحده دون غيره ، وهو الذي حكم عليكم بالخلود في النار ، وعدم الخروج منها ، و {العلى} : المتعالي عن أن يكون له مماثل في ذاته ، ولا صفاته ، و {الكبير} : الذي كبر عن أن يكون له مثل ، أو صاحبة ، أو ولد ، أو شريك {هُوَ الذي يُرِيكُمْ ءاياته} أي: دلائل توحيده ، وعلامات قدرته {وَيُنَزّلُ لَكُم مّنَ السماء رِزْقاً} يعني: المطر ، فإنه سبب الأرزاق.
جمع سبحانه بين إظهار الآيات ، وإنزال الأرزاق ، لأن بإظهار الآيات قوام الأديان ، وبالأرزاق قوام الأبدان ، وهذه الآيات هي: التكوينية التي جعلها الله سبحانه في سمواته ، وأرضه ، وما فيهما ، وما بينهما.
قرأ الجمهور: {ينزل} بالتشديد.
وقرأ ابن كثير ، وأبو عمرو بالتخفيف {وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلاَّ مَن يُنِيبُ} أي: ما يتذكر ، ويتعظ بتلك الآيات الباهرة ، فيستدلّ بها على التوحيد ، وصدق الوعد ، والوعيد إلا من ينيب ، أي: يرجع إلى طاعة الله بما يستفيده من النظر في آيات الله.