وقلنا في فضل الدعاء أنه"مخ العبادة"، والدعاء ما هو إلا ذلة عابد لعزة معبود، مجرد إظهار الذلة بصرف النظر عما يترتب على الدعاء، وإلا فالحق سبحانه أعطاك قبل أنْ تدعوه، وخلق لك قبل أن توجد، لذلك ليس من اللازم أن يستجيب الله لكل مَنْ يدعوه، وكأنه سبحانه يقول لنا: تنبَّهوا إلى أن منكم مَنْ يدعو فلا أستجيب له، وأنا حين لا أستجيب له أمنحه العطاء الأعلى لأنه قد يدعو بالشر دعاءه بالخير، ويطلب الشيء وهو لا يعرف أن فيه هلاكه.
وسبق أنْ ضربنا لذلك مثلاً بالأم التي تدعو على ولدها حين الغضب تقول (إلهي أشرب نارك) ، فما موقف هذه الأم لو أن الله استجاب لها؟
إذن: الحق سبحانه علم أنها حمقاء في دعائها، وأنها دَعَت بِشَرٍّ تظنه خيراً فصوَّب لها الدعاء؛ لذلك قلنا في الثناء عليه سبحانه: سبحانك يا مَنْ تُصوِّب خطأ الداعين بألاَّ تجيب، وبذلك حميتنا من الضر، فكَمْ يدعو الإنسان بالشر دعاءه بالخير؟
وفي هذه الآية {فَادْعُواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} [غافر: 14] حَثٌّ لنا على كيد الكافرين وإغاظتهم بإظهار الذلة لله والخضوع له سبحانه، فهذه المسألة تكيدهم، لأنها تظهر لهم عِزَّ الربوبية والكبرياء لله تعالى الذي كفروا به، وتعالَوْا على طاعته، وتكبَّروا عليه سبحانه، لذلك داوموا على الدعاء أمامهم وأروُهُمْ من أنفسكم منتهى الذلة لله.
{رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنذِرَ يَوْمَ التَّلاَقِ} * {يَوْمَ هُم بَارِزُونَ لاَ يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ}
كلمة (رَفيع) على وزن (فعيل) من الفعل رفع، وهذا الوزن يأتي بمعنى فاعل مثل (رحيم) مبالغة من راحم، وتأتي بمعنى مفعول مثل قتيل يعني مقتول، كذلك كلمة (رفيع) يصح أنْ تكون بمعنى رافع. أي: أنه سبحانه رافع لغيره، كما يرفع سبحانه بعض الخلق على بعض.
ويصح أنْ تكون (رفيع) بمعنى مفعول أي مرتفع في ذاته، والرافع لا يرفع غيره إلا إذا كان مرتفعاً في ذاته، فرفيع هنا بمعنى مرتفع عن كل شيء، كما نقول: الله أكبر والله أعلى وأجلّ.