وَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْبَرَ أَنَّهُ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ يَحْنَثْ وَالْيَمِينُ تَتَضَمَّنْ شَيْئَيْنِ حِنْثًا أَوْ بِرًّا فَإِذَا أَخْبَرَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ فَقَدْ أَخْبَرَ بِوُجُودِ الْبِرِّ ؛ إذْ لَيْسَ بَيْنَهُمَا وَاسِطَةٌ فَتَنَاقُضُهُ وَاسْتِحَالَتُهُ مِنْ جِهَةِ أَنَّ قَوْلَهُ هَذَا يُوجِبُ أَنَّ كُلَّ مَنْ بَرَّ فِي يَمِينِهِ بِأَنْ يَفْعَلَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ كَانَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ جُعِلَتْ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ عَلَى قَضِيَّتِهِ لِسُقُوطِ الْحِنْثِ ، وَلَوْ كَانَ لِأَيُّوبَ خَاصَّةً وَكَانَ عِبَادَةً تَعَبَّدَ بِهَا دُونَ غَيْرِهِ كَانَ لِلَّهِ أَنْ يُسْقِطَ عَنْهُ الْحِنْثَ وَلَا يُلْزِمَهُ شَيْئًا ، وَإِنْ لَمْ يَضْرِبْهَا بِالضِّغْثِ فَلَا مَعْنَى عَلَى قَوْلِهِ لَضَرْبِهَا بِالضِّغْثِ ؛ إذْ لَمْ يَحْصُلْ بِهِ بِرٌّ فِي الْيَمِينِ.
وَزَعَمَ هَذَا الْقَائِلُ أَنَّ لِلَّهِ تَعَالَى أَنْ يَتَعَبَّدَ بِمَا شَاءَ فِي الْأَوْقَاتِ وَفِيمَا تَعَبَّدَنَا بِهِ ضَرْبُ الزَّانِي قَالَ: وَلَوْ ضَرَبَهُ ضَرْبَةً وَاحِدَةً بِشَمَارِيخَ لَمْ يَكُنْ حَدًّا قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَمَّا ضَرْبُ الزَّانِي بِشَمَارِيخَ فَلَا يَجُوزُ إذَا كَانَ صَحِيحًا سَلِيمًا ، وَقَدْ يَجُوزُ إذَا كَانَ عَلِيلًا يُخَافُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَفْرَدَ كُلَّ ضَرْبَةٍ لَمْ يَجُزْ إذَا كَانَ صَحِيحًا ، وَلَوْ جَمَعَ
أَسْوَاطًا فَضَرَبَهُ بِهَا وَأَصَابَهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا أُعِيدَ عَلَيْهِ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ مِنْ الْأَسْوَاطِ ، وَإِنْ كَانَتْ مُجْتَمَعَةً فَلَا فَرْقَ بَيْنَ حَالِ الْجَمْعِ وَالتَّفْرِيقِ.