ثم لما علم أن كيده لا ينجع إلا في أتباعه ، وأحزابه من أهل الكفر ، والمعاصي ، استثنى من لا يقدر على إضلاله ، ولا يجد السبيل إلى إغوائه ، فقال: {إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المخلصين} أي: الذين أخلصتهم لطاعتك ، وعصمتهم من الشيطان الرجيم ، وقد تقدّم تفسير هذه الآيات في سورة الحجر ، وغيرها.
وقد أقسم ها هنا بعزّة الله ، وأقسم في موضع آخر بقوله: {فَبِمَا أَغْوَيْتَنِى} [الأعراف: 16] ولا تنافي بين القسمين ، فإن إغواءه إياه من آثار عزّته سبحانه ، وجملة {قَالَ فالحق والحق أَقُولُ} مستأنفة كالجمل التي قبلها.
قرأ الجمهور بنصب الحق في الموضعين على أنه مقسم به حذف منه حرف القسم ، فانتصب ، أو هما منصوبان على الإغراء ، أي: الزموا الحق ، أو مصدران مؤكدان لمضمون قوله: {لأَمْلاَنَّ جَهَنَّمَ} ، وقرأ ابن عباس ، ومجاهد ، والأعمش ، وعاصم ، وحمزة برفع الأوّل ، ونصب الثاني ، فرفع الأوّل على أنه مبتدأ ، وخبره مقدّر ، أي: فالحق مني ، أو فالحق أنا ، أو خبره: لأملأن ، أو هو خبر مبتدأ محذوف ، وأما نصب الثاني ، فبالفعل المذكور بعده أي: وأنا أقول الحق ، وأجاز الفراء ، وأبو عبيد أن يكون منصوباً بمعنى: حقاً لأملأنّ جهنم.
واعترض عليهما بأن ما بعد اللام مقطوع عما قبلها.
وروي عن سيبويه ، والفراء أيضاً: أن المعنى: فالحق أن إملاء جهنم.
وروي عن ابن عباس ، ومجاهد: أنهما قرآ برفعها ، فرفع الأوّل على ما تقدّم ، ورفع الثاني بالابتداء ، وخبره الجملة المذكورة بعده ، والعائد محذوف.
وقرأ ابن السميفع ، وطلحة بن مصرف بخفضهما على تقدير حرف القسم.