إنه الإنسان، يأنس بغيره، ويحتاج إليه، اجتماعي بطبعه، يحب ويكره، يبكي ويضحك، يأكل ويشرب، ينام ويصحو، يمشي ويكدح، متغير الأطوار، تتجلَّى فيه عظمة الخالق سبحانه، وقدرته في الخلق والإنشاء، مَن يتأمل تكوينه وتركيبه يسجد عقله لخالقه - سبحانه وتعالى - قائلاً:"فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ" [المؤمنون: 14] .
هكذا تمت عملية خلق آدم عليه السلام، مع أن الله تعالى قادر أن يخلقه في لحظة أو جزء منها، أو بكلمة واحدة، ولكن الله تعالى يعلمنا الإعداد والترتيب والإحكام في كل شيء، فالتمام وبلوغ الكمال لا بد أن يتم على مراحلَ وخطوات متدرجة، وكذلك كان خلق الذرية.
وكما كان خلق آدم من تراب، فكذلك كل إنسان؛ لأن التراب الذي هو مادة الأرض هو مصدر كل غذاء، ويتحول الغذاء في جسم الإنسان إلى نُطَف، فماء الرجل وماء المرأة إنما هما مما يتغذَّاه الإنسان ذكرًا كان أم أنثى، وحينما يتم اللقاء ويصب الرجل ماءه (المني) في بيئة غير بيئتِه ووسطًا (حمضيًّا، موضع الحرث ومصب المني) يختلف عن وسطه (القلوي) ، فيبحث عن مخرج ويفر هاربًا مسرعًا في موكب من أقرانه يعد بالملايين في سباق سبقه القدر، وكتب الله مَن الفائز بتلقيح البويضة الساكنة المستقرة داخل الرحم في انتظار اللقاء المقدر، وتبدأ مراحل التكوين، حيث تتجلى مظاهر القدرة والعناية الإلهية في أروع ما يكون.
وسوف أتناول عملية خلق الإنسان من خلال القرآن الكريم والأحاديث النبوية؛ لبيان سنة التدرج في الخلق، ولكن هناك بعض الحقائق واللطائف التي أحب أن أشير إليها؛ لنقف على آيات الله وقدرته في خلق الإنسان، ولتسجد عقولنا وأفهامنا مُقرَّةً ومعترفة بعظمة القرآن الكريم، المعجزة الخالدة إلى يوم الدين، والذي وصف لنا عملية الخلق بتفصيل وإعجاز، اهتدى به العلم الحديث، وخصوصًا علم الأجنة، فأقول: