[البقرة: 35] فلم يقل سبحانه: ولا تأكلا من هذه الشجرة، بل نهى عن مجرد قربها، لأن من حام حول الحِمَى يُوشِك أنْ يواقعه.
لذلك تجد الحق سبحانه حين يحدثنا عن الحدود التي أحلها الله لنا يقول:
{تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا} [البقرة: 229] أما في الحدود التي حرّمها فيقول:
{تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا} [البقرة: 187] .
ونلحظ في الآية التي معنا قوله تعالى: {ياإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ ..} [ص: 75] وفي الأعراف قال:
{مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ ..} [الأعراف: 12] فمرة بالإثبات ومرة بالنفي. والمعنى واحد، لأن المتكلم بهذا الكلام هو الله رَبُّ العالمين، معنى {مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ ..} [ص: 75] يعني: أردتَ أنْ تسجد، فعرض لك عارض، أما
{مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ ..} [الأعراف: 12] يعني: أمَنعكَ مانع فلم تسجد قهراً عنك؟
وقوله: {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ.} [ص: 75] بيان لشرف هذا المخلوق، ويكفي في شرفه أن الله تعالى نسب خَلْقه إليه سبحانه مباشرة {أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ} [ص: 75] يعني: السبب الذي دعاك إلى عدم السجود إما استكبارك أنْ تسجدَ لآدم، أم كنتَ من العالين؟
وقد اختلف العلماء في معنى العالين، بعضهم قال: من الطاغين المتكبِّرين الذي أعرضوا عن أحكام الله ومنهجه استكباراً، ومن ذلك قوله تعالى في فرعون:
{وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ} [يونس: 83] وقال سبحانه:
{تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأَرْضِ وَلاَ فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [القصص: 83] أي: عُلُواً على أحكام الله، وعلى أوامر الله.
وقال آخرون: معنى العالين هم نوع من الملائكة، والذين لم يشملهم الأمر بالسجود لآدم، فالمأمور بالسجود هم الملائكة الذين لهم علاقة بهذا المخلوق وهم المدبِّرات الذين قال اللهُ عنهم
{فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً} [النازعات: 5] والمعقِّبات الذين قال الله فيهم
{لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ ..} [الرعد: 11] هؤلاء هم الذين أمروا بالسجود. أما العَالُون فهم ملائكة لا عملَ لهم إلا تسبيح الله، ولا صلةَ لهم بهذا الكون، ولا يدرون عنه شيئاً.