وَنُوْرًا أَضَاءَ الأَرْضَ شَرْقًا وَمَغْرِبًا ... وَمَوْضِعُ رِجْلِيْ مِنْهُ أَسْوَدُ مُظْلِمُ
63 -ثم سألوا عن السبب في عدم رؤيتهم، فقالوا: {أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا} بقطع الهمزة على أنها استفهام، والأصل: أاتخذناهم، حذفت همزة الوصل، للاستغناء عنها بهمزة الاستفهام. و {سِخْرِيًّا} بضم السين وكسرها مصدر سخره، زيد فيه ياء النسبة للمبالغة؛ لأن في ياء النسبة زيادة قوة في الفعل، كما قيل: الخصوصية في الخصوص. قالوه إنكارا على أنفسهم، ولوما لها في الاستسخار منهم. فمعنى الاستفهام: الإنكار، والتوبيخ، والتعنيف، واللوم؛ أي: ألأجل أنا قد اتخذناهم في الدنيا سخريا، ولم يكونوا كذلك لم يدخلوا النار. {أَمْ} هم معنا في النار، ولكن {زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ} ومالت، ولم تقع عليهم أبصارنا. و {أم} متصلة معادلة {لاتخذناهم} ، وفي هذا إنكار على أنفسهم، وتأنيب لها على استسخارهم منهم في الدنيا.
والخلاصة: أن الكفار حين دخلوا النار، ونظروا في جوانبها، ولم يروا المؤمنين، الذين كانوا يسخرون منهم في الدنيا تناجوا، وقالوا: ما بالنا؟ لا نرى الذين كنا نتخذهم في الدنيا سخريًا، ألم يدخلوا النار معنا، أم دخلوها ولكن زاغت عنهم أبصارنا، ولم ترهم.
وقرأ النحويان - أبو عمرو والكسائي - وحمزة {أَتَّخَذْناهُمْ} وصلًا. فقال أبو حاتم، والزمخشري، وابن عطية: صفة لـ {رِجالًا} . قال الزمخشري: مثل قوله: {نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ} . وقال ابن الأنباري: حال؛ أي: وقد اتخذناهم. وقرأ أبو جعفر، والأعرج، الحسن، وقتادة، وباقي السبعة: بهمزة الاستفهام، لتقرير أنفسهم على هذا، على جهة التوبيخ لها، والأسف؛ أي: اتخذناهم سخريا ولم يكونوا كذلك، وقرأ عبد الله، وأصحابه، ومجاهد، والضحاك، وأبو جعفر، وشيبة، والأعرج، ونافع، وحمزة، والكسائي: {سخريا} بضم السين ومعناها، من السخرة والاستخدام. وقرأ الحسن، وأبو رجاء، وعيسى، وابن محيصن، وباقي السبعة بكسر السين، ومعناها المشهور من السخر، وهو الهزء. قال أبو عبيدة: من كسر جعله من الهزء، ومن ضم جعله من التسخير.