64 -ثم بيّن أن هذا التناجي، سيكون يوم القيامة، وأنه حق لا مرية فيه، فقال: {إِنَّ ذلِكَ} المذكور الذي حدثناك عنه، أيها الرسول من تخاصم أهل النار بعضهم لبعض، ولعن بعضهم بعضًا {لَحَقٌّ} ؛ أي: لواقع ثابت في الدار الآخرة، لا يتخلف ألبتَّة. هو {تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ} خبر لمبتدأ محذوف، والجملة بيان لذلك، وقيل: بيان لحق، وقيل: بدل منه، وقيل: بدل من محل {ذلِكَ} ، ويجوز أن يكون خبرًا بعد خبر، وهذا على قراءة الجمهور، برفع {تَخاصُمُ} .
والمعنى: أن ذلك الذي حكاه الله عنهم لحق، لا بد أن يتكلموا به، وهو تخاصم أهل النار فيها، وما قالته الرؤساء للاتباع، وما قالته الأتباع لهم.
وقرأ الجمهور: {تَخاصُمُ} بالرفع مضافًا إلى {أَهْلِ} . وقرأ ابن أبي عبلة، {تخاصمَ أهل} بنصب الميم وجر {أَهْلِ} على أنه بدل من {ذلِكَ} أو بإضمار أعني، وقرأ ابن السميفع {تَخَاصَم} فعلًا ماضيًا، {أَهْلِ} : فاعل، فتكون جملة مستأنفة، وسمى الله تعالى، تلك المفاوضة التي جرت بين رؤساء الكفار، وأتباعهم تخاصمًا؛ لأن قولهم: {لا مَرْحَبًا بِهِمْ} ، وقول الأتباع: {بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ} هو من باب الخصومة، فسمي التفاوض كله تخاصمًا، لاستعماله عليه.
65 - {قُلْ} يا محمد - صلى الله عليه وسلم - لمشركي مكة: {إِنَّما أَنَا مُنْذِرٌ} ؛ أي: مخوف بعذاب الله تعالى لمن عصى. أنذركم، وأحذركم عذابه على كفركم ومعاصيكم، وقل أيضًا: {وَما مِنْ إِلهٍ} في الوجود موجود {إِلَّا اللَّهُ الْواحِدُ} الذي لا يقبل الشركة، والكثرة؛ أي: لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، فلا ملجأ، ولا مفر إلا إليه، يعني: من عرف أنه الواحد، أفرد قلبه له، فكان واحدًا به، وقد فسر قوله عليه السلام: «إن الله وتر يحب الوتر» يعني: القلب المنفرد له. ومن خاصية هذا الاسم: أن من قرأه ألف مرة، خرج الخلائق من قلبه. وما أحسن قول بعضهم:
إِذَا كَانَ مَا تَهْوَاهُ فِيْ الْحُسْنِ وَاحِدًا ... فَكُنْ وَاحِدًا فِي الْحُبِّ إِنْ كُنْتَ تَهْوَاهُ