وعطاء المعطي، {ذِكْرَى} أيضًا مصدر، فإذا فهم هذا، فقوله جل ذكره: {بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ} قرئ: بتنوين (خالصةٍ) وبتركها على الإضافة، مَن نَوَّنَ فـ {ذِكْرَى} يجوز أن يكون في موضع رفع على الفاعلية، على: بأن خلصت لهم ذكرى الدار. وأن يكون في موضع نصب على المفعولية، أي: بأن خلصوا ذكرى الدار. وتعضد هذا الوجه قراءة من قرأ: (بخالصتهم ذكرى الدار) وهو الأعمش. ومن أضاف كان في {ذِكْرَى} الوجهان المذكوران آنفًا، أما الرفع فعلى إضافة المصدر إلى الفاعل، وأما النصب فعلى إضافته إلى المفعول، كقوله: {بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ} و {دُعَاءِ الْخَيْرِ} .
وقيل: (بخالصة) ، أي: بنعمة خالصة، أو بخصلة خالصة لا شوب فيها، فهي صفة حذف موصوفها، ثم فسرها بـ {ذِكْرَى الدَّارِ} شهادةً لذكرى الدار بالخلوص والصفاء وانتفاء الكدورة عنها، فـ {ذِكْرَى} على هذا في موضع جر على البدل منها، أو رفع على: هي ذكرى الدار. أو نصب على إضمار أعني. ووجه الإضافة على هذا الوجه ظاهر، وهي من إضافة الشيء إلى ما يوضحه ويزيل إبهامه، لأن النعمة أو الخصلة الموصوفة بها قد تكون ذكرى الدار وغيرها.
وقيل: {بِخَالِصَةٍ} اسم فاعل كجالسة، أي: بما خلص من ذكرى
الدار، على أنهم لا يشوبون ذكرى الدار بِهَمٍّ آخر، إنما همهم ذكرى الدار لا غير.
وأما إضافة {ذِكْرَى} إلى {الدَّارِ} فيجوز أن تكون من إضافة المصدر إلى المفعول به، أي: أخلصناهم بسبب ذكراهم الآخرة، وذكرهم لها، وَوَجَلُ قلوبهم منها ومما يكون فيها مما لا يحصى، وأن تكون من إضافته إلى المفعول به على السعة وهو ظرف في المعنى، والمفعول به محذوف، أي: ذِكْرُهُم الوقوف، أو الحساب، أو غير ذلك فيها، وفي الكلام على هذا حذفان، حذفُ المفعول به، وحذف الجار، كذهبتُ الشامَ، عند صاحب الكتاب رحمه الله. وقيل: المراد بالدار الدنيا، على معنى: أبقينا عليهم الثناء الجميل في الدنيا، فالدار على هذا أيضًا: ظرف كالوجه المذكور آنفًا، فاعرفه.