لذلك نخاف نحن من صاحب الأغيار لأنه مُتقلِّب ، ويقول أهل المعرفة: تغَّيروا من أجل ربكم - يعني: من الانحراف إلى الاستقامة - لأن الله لا يتغير من أجلكم ، أنت تتغير من أجل الله ، لكن الله لا يتغير من أجل أحد ، وما دام الحق سبحانه كان غفوراً رحيماً ، وهو سبحانه لا يتغير ، فبالتالي سيبقى سبحانه غفوراً رحيماً .
وتلحظ في أسلوب القرآن أنه يقرن دائماً بين هذين الوصفين غفور ورحيم ؛ لأن الغفر سَلْب عقوبة الذنب ، والرحمة مجيء إحسان جديد بعد الذنب الذي غُفِر ، كأن تُمسِك في بيتك لصاً يسرق ، فلك أنْ تذهب به للشرطة ، ولك أن تعفو عنه وتتركه ينصرف إلى حال سبيله ، وتستر عليه ، وبيدك أنْ تساعده بما تقدر عليه ليستعين به على الحياة ، وهذه رحمة به وإحسان إليه بعد المغفرة .
وقد عُولجَتْ هذه المسألة في قوله تعالى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ ...} [النحل: 126] وهذا التوجيه يضع لنا أول أساس من أسس المغفرة ؛ لأنك لا تستطيع أبداً تقرير هذه المثلية ، ولا تضمن أبداً إذا عاقبتَ أنْ تعاقب بالمثل ، ولا تعتدي ؛ لذلك تلجأ إلى جانب المغفرة ، لكي لا تُدخِل نفسك في متاهة اعتداء جديد ، يُوجب القصاص منك .
وسبق أنْ حكْينا قصة المرابي الذي اشترط على مدينه إذا لم يسدِّد ما عليه في الوقت المحدد أن يأخذ رطلاً من لحمه ، فلما تأخر اشتكاه المرابي عند القاضي ، وذكر ما كان بينهما من شروط ، فأقرَّه القاضي على شرطه ، لكن ألهمه الله أنْ يقول للمرابي: نعم خُذْ رطلاً من لحمه ، لكن بضربة واحدة ، فإنْ زِدْتَ عنها أو نقصْتَ وفَّيناها من لحمك أنت ، عندها تراجع المرابي ، وتنازل عن شَرْطه .