وقد أحسَّ رسول الله بشيء في نفسه ، وتردَّد في هذا الزواج مخافة أنْ يقول الناس ، إن محمداً أوعز إلى زيد أنْ يُطلِّق زينب ليتزوجها هو ، كما يقول بعض المستشرقين الآن ، وأنه صلى الله عليه وسلم كان يضمر حبَّ زينب في نفسه ، وهذا كلها افتراءات على رسول الله ، فالذي يحب امرأة لا يسعى جاهداً لأنْ تتزوج من غيره ، وحين يريد زوجها أنْ يُطلِّقها لا يقول له: أمسِكْ عليك زوجك .
ثم لا ينبغي لأحد أنْ يخوض فيما أخفاه رسول الله في نفسه ، من أنه عاشق أو مُحِبٌّ ، لكن انظر فيما أبداه الله ، فالذي أبداه الله هو الذي يُخفيه رسول الله ، واقرأ: {وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا الله مُبْدِيهِ وَتَخْشَى الناس والله أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ ...} [الأحزاب: 37]
إذن: الذي كان يُخفيه رسول الله هو أنه يخاف أنْ تتكلَّم به العرب ، وأنْ تقول فيه ما لا يليق به في هذه المسألة .
ويقول تعالى: {فَلَمَّا قضى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا} [الأحزاب: 37] لماذا؟ {لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى المؤمنين حَرَجٌ في أَزْوَاجِ أَدْعِيَآئِهِمْ ...} [الأحزاب: 37]
وهكذا قرَّر الحق سبحانه مبدأ إبطال التبني في شخص رسول الله .
والحق سبحانه حينما يبطل عادة التبني إنما يبطل عادة ذميمة ، تُقوِّض بناء الأسرة ، وتهدم كيانها ، تؤدي إلى اختلاط الأنساب وضياع الحقوق ، فالولد المتبنّي يعيش في الأسرة كابنها ، تعامله الأم على أنه ابنها ، وهو غريب عنها ، كذلك البنت تعامله على أنه أخوها ، وهو ليس كذلك ، وفي هذا من الفساد مَا لا يخفى على أحد .
وأيضاً ، فكيف يكون الأب الذي جعله الله سبباً مباشراً لوجودك وتأتي أنت لتردَّ هذه السببية ، وتنقلها إلى غير صاحبها ، وأنت حين تنكر النبوة السَّببية في أبيك فمن السهل عليك - إذن - أنْ تنكر المسبِّب الذي خلق أولاً ، ولِمَ لا وقد تجرأت على إنكار الجميل .