ثم يأخذ الحق سبحانه من مسألى اجتماع المتناقضين في قلب واحد مقدمة للحديث عن قضايا المتناقضات التي شاعتْ عند العرب ، فيقول سبحانه: {مَّا جَعَلَ الله لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللائي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ . .} [الأحزاب: 4]
وقد شاع في الجاهلية حين يكره الرجل زوجته ، يقول لها: أنت عليَّ كظهر أمي ، ومعلوم أن ظهر الأم مُحرَّم على الابن حرمة مؤبدة ، لذلك كانوا يعتبرون هذه الكلمة تقع موقع الطلاق ، فلما جاء الإسلام لم يجعلها طلاقاً ، إنما جعل لها كفارة كذب ؛ لأن الزوجة ليست أماً لك ، وحدد هذه الكفارة إما: عتق رقبة ، أو إطعام ستين مسكيناً ، أو صيام ستين يوماً .
وهذه المسألة تناولتها سورة (قد سمع) {الذين يُظَاهِرُونَ مِنكُمْ مِّن نِّسَآئِهِمْ مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ اللائي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَراً مِّنَ القول وَزُوراً ...} [المجادلة: 2] أي: كذباً ، لأن الزوجة لا تكون أماً .
فالحق سبحانه جاء بمتناقض ، وأدخل فيه متناقضاً آخر ، فكما أن القلب الواحد لا تجتمع فيه طاعة الله وطاعة الكافرين والمنافقين ، فكذلك الزوجة لا تكون أبداً أماً ، فهي إما أم ، وإما زوجة .
كذلك وُجد عند العرب تناقض آخر في مسألة التبني ، فكان الرجل يستوسم الولد الصغير ، أو يرى فيه علامات النجابة فيتبناه ، فيصير الولد ابناً له ، يختلط ببيته كولده ، ويرثه كما يرثه ولده ، وله عليه كل حقوق الابن .
وهذه متناقضة أيضاً كالسابقة ، فكما أن الرجل لا يكون له قلبان ، وكما أن الزوجة لا تكون أماً بحال ، كذلك المتبنَّى لا يكون ولداً ، فيقول سبحانه: {وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَآءَكُمْ أَبْنَآءَكُمْ . .} [الأحزاب: 4]