بيَّن الله في الآية السابقة فساد دعواهم الخوف من الناس إن آمنوا، وبيَّن في الآية أَنهم أحِقَّاء بالخوف من بأس الله الذي يشاهدونه بأعينهم كلما ساروا بقوافلهم على آثار من هلك قبلهم، وبقايا وخرائب المدن والقرى التي جحدت آلاء ربها وكفرت بأنبيائها كما يكفرون بنبيهم، فعذبهم الله بكفرهم وذكَّرهم فيها بأن ما حدث في الماضى لغيرهم يمكن أَن يقع لهم في الحاضر والمستقبل وحينئذ يتبين أن الخوف في الكفر لا في الإيمان.
أي: وكثير من أهل القرى كانت حالهم كحال هؤلاء في الأمن وخفض العيش والدَّعة والاطمئنان حتى بطروا واغترُّوا ولم يقوموا بحق النعمة من الشكر عليها بالإيمان، فدمَّرنا عليهم وخربنا ديارهم، وتلك مساكنهم التي تمرُّون عليها في أسفاركم كحجر ثمود خاوية بما ظلموا، لم تسكن من بعد تدميرهم إلاَّ زمانًا قليلًا؛ إذ لا يسكنها إلا المارة أثناء سفرهم يومًا أو بعض يوم.
59 - {وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا} :
قال الآلوسي: هذه الآية الكريمة فيها بيان للعناية الربانية إثر بيانا إهلاك القرى المذكورة.
والمعنى: ما صحَّ وما استقام، أو ما كان في حكمه الماضي وقضائه السابق أن يُهْلِك القرى قبل الإنذار، بل كانت سنته - عز وجل - التي لا تتخلف ودستوره الذي لا يتغير ألَّا يهلكها حتى يبعث في أصلها وحاضرتها التي ترتجع تلك القرى إليها رسولًا يتلو عليهم آياتنا الناطقة بالحق ويدعوهم إليه بالترغيب والترهيب والوعد والوعيد ويوضح لهم المنهج، وإنما أهلكهم بعد إلزامهم الحجَّة بإرسال الرسول كيلا يقولوا: {لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ} . وتحقيقًا لوعده الذي لا يتخلف: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} .
{وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ} : أي وما كنا مهلكى أهل القرى بعد ما بعثنا في أُمِّها رسولًا يدعوهم إلى الحق ويرشدهم إليه في حال من الأحوال إلا في حال كونهم ظالمين بتكذيب رسولنا والكفر بآياتنا، فاعتبروا - يا كفار مكة - بما حدث لمن كان قبلكم، وما يمكن أن ينزل بكم.