ذكر أهل التأويل أن هذا نزل في أبي طالب عم النبي، وذلك أن أبا طالب قال: يا معشر بني هاشم، أطيعوا محمدًا وصدقوه تفلحوا وترشدوا، فقال له النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -:"تأمرهم بالنصيحة لأنفسهم وتدعها لنفسك؟!"قال: فقال: ما تريد يا ابن أخي؟ قال:"أريد منك كلمة واحدة في آخر يوم من الدنيا: أن تقول: لا إله إلا اللَّه؛ أشهد لك بها عند اللَّه"قال: يا ابن أخي، قد علمت أنك صادق، ولكن أكره أن يقال: جزع عن الموت، ولولا أن يكون عليك وعلى بني أبيك وأخيك غضاضة ومسبة بعدي لقلتها، ولأقررت بها عينك عند الفراق؛ لما أرى من شدة وجدك ونصيحتك، ولكن سوف أموت على ملة الأشياخ فلان وفلان؛ فأنزل اللَّه ذلك: (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) ، فهو على المعتزلة؛ لأنهم يقولون: أن الهدى البيان،
ولو كان بيانا على ما يقولون لكان رسول اللَّه يقدر أن يبين له وقد بين.
لكن الجبائي يحتج لهم فيتأول ويقول: إن رسول اللَّه كان يحرص أن يدخله الجنة فيقول: إنك لا تهدي طريق الجنة له حتى يدخلها، أو كلام يشبه هذا، وذلك بعيد.
وقال جعفر بن حرب: هذا ليس في ابتداء الهداية، ولكن في اللطائف التي تخرج مخرج الثواب لهم لما كان منهم من الاهتدء في البداء والأنف؛ كقوله: (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى...) الآية، فيخبر أنك لا تملك الهداية اللطيفة التي تخرج مخرج الثواب أن تهديهم.
فيقال له: أخبرنا عن تلك الزيادة التي تخرج مخرج الثواب لهم لما كان منهم من الاهتداء في الابتداء تنفع لهم دون الابتداء.
فإن قالوا: نعم.
فيقال لهم: فذلك عليه أن يفعل بهم؛ إذ من قولهم: إن عليه أن يعطي كل كافر ما ينفعه ويصلح له في دينه، فكيف منع ذلك وهو ينفعهم؟!