«فَإِنْ قِيلَ» : قال هنا {سَآتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ} وفي السورة الآتية: {لَّعَلِّي آتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ} (القصص: 29)
وهما كالمتدافعين لأنّ أحدهما ترج والآخر تيقن؟
أجيب: بأنَّ الراجي قد يقول إذا قوي رجاؤه سأفعل كذا وسيكون كذا مع تجويزه الحقيقة.
{أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ} أي: شعلة نار في رأس فتيلة أو عود، قال البغويّ: وليس في الطرف الآخر نار، وقال بعضهم الشهاب شيء ذو نور مثل العمود والعرب تسمى كل شيء أبيض ذي نور شهاباً، والقبس: القطعة من النار، وقرأ الكوفيون بشهابٍ بالتنوين على أنَّ القبس بدل منه أو وصف له لأنه بمعنى المقبوس، والباقون بإضافة الشهاب إليه لأنه يكون قبساً وغير قبس فهو من إضافة النوع إلى جنسه، نحو ثوب خز إذ الشهاب شعلة من النار والقبس قطعة منها يكون في عود أو غيره كما مرّ.
«فَإِنْ قِيلَ» : لم جاء بأو دون الواو؟
أجيب: بأنه بنى الرجاء على أنه إن لم يظفر بحاجتيه جميعاً لم يعدم واحدة منهما، إمّا هداية الطريق وإمّا اقتباس النار ثقة بعادة الله أنه لا يكاد يجمع بين حرمانين على عبده، وما أدراه حين قال ذلك أنه ظافر على النار بحاجتيه الكليتين جميعاً وهما العزان عز الدنيا وعز الآخرة.
{نُودِيَ أَن بُورِكَ}
أن هي المفسرة لأنّ النداء فيه معنى القول، والمعنى قيل له: بورك، أو المصدرية أي: بأن بورك، وقوله تعالى: {مَن فِي النَّارِ} أي: موسى {وَمَنْ حَوْلَهَا} أي: الملائكة هو نائب الفاعل لبورك، والأصل بارك الله من في النار ومن حولها، وهذا تحية من الله عز وجلّ لموسى بالبركة.