وقوله: {مِن كُلِّ شَيْءٍ} عام مخصوص بالعقل؛ لأنها لم تؤت ما أوتيه سليمان.
«فَإِنْ قِيلَ» : كيف استعظم الهدهد عرشها مع ما كان يرى من ملك سليمان، وأيضاً: فكيف سوَّى بين عرش بلقيس وعرش الله في الوصف بالعظم؟
فالجَوابُ عن الأول: يجوز أن يستصغر حالها إلى حال سليمان، فاستعظم لها ذلك العرش.
ويجوز أن يكون لسليمان - مع جلالته - مثله كما قد يكون لبعض الأمراء شيء لا يكون مثله للسلطان.
وعن الثاني: أنه وصف عرشها بالعظم بالنسبة إلى عروش أبناء جنسها من الملوك، وَوَصْفُ عرشِ اللَّهِ بالعظم تَعْظِيمٌ له بالنسبة إلى سائر ما خلق من السماوات والأرض.
{أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (25) }
دلّ قوله: {يُخْرِجُ الخبء فِي السماوات والأرض} على كمال القدرة، وسمي المخبوء بالمصدر ليتناول جميع الأرزاق والأموال، فدلَّ قوله: {وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ} على كمال العلم، وإذا كان قادراً على كل المقدرات عالماً بكل المعلومات، وجب أن يكون إلهاً، والشمس ليست كذلك، فلا تكون إلهاً، وإذا لم تكن إلهاً، لم تستحق العبادة.
«فَإِنْ قِيلَ» : إنَّ إبراهيم وموسى عليهما السلام قدما دلالة الأنفس على دلالة الآفاق، فإِنَّ إبراهيم قال: {رَبِّيَ الذي يُحْيِي وَيُمِيتُ} [البقرة: 258] ، ثم قال: {فَإِنَّ الله يَأْتِي بالشمس مِنَ المشرق} [البقرة: 258] ، وموسى - عليه السلام - قال {قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ الأولين} [الشعراء: 26] ، ثم قال: {رَبُّ المشرق والمغرب} [الشعراء: 28] وهاهنا قدم خبء السماوات على خبء الأرض؟
فجوابه، أَن إبراهيم وموسى ناظرا من ادعى إلهية البشر، فابتدءا بإبطال إلهية البشر، ثم انتقلا إلى إلهية السماء، وهاهنا الكلام مع من ادعى إلهية الشمس، قوله {وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ الله} [النمل: 24] فلا جرم ابتدأ بذكر السماويات، ثم بالأرضيات.