وهذا الوجه هو اختيار المبرد لأنَّه قال: أي عابدين لي غير مشركين.
قال أبو إسحاق: ويجوز أن يكون استئنافًا على طريق الثناء عليهم وتثبيتًا كأنه قال: يعبدونني المؤمنون لا يشركون بي شيئًا.
وهذا معنى قول ابن عباس: يريد عصمة مني لهم. يعني أعصمهم عن عبادة غيري والإشراك بي.
قال مقاتل: لا يشركون بي شيئًا من الآلهة.
وهو قول العامة.
وروى ليث، عن مجاهد، عن ابن عباس: لا يخافون أحدًا غيري.
فجعل الإشراك في هذه الآية أن يخافوا أحدًا غير الله.
قوله: {وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ} يعني بهذه النعم، وليس يعني الكفر بالله؛ لأن الكافر بالله فاسق بعد هذا الإنعام وقبله، والله [تعالى يقول: {وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ} أي جحد حق هذه النعم بعد إنْعام الله] بها.
وهذا معنى قول الربيع، وأبي العالية، وأبيّ بن كعب، ومقاتل ابن حيان.
وقوله {فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} قال ابن عباس: يريد العاصون لله.
وهذا يدل على أن الكفر هاهنا كفر بالنعمة لا كفر بالله [- عز وجل -]
57 -قوله تعالى: {لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ} لا تحسبن يا محمد الكافرين.
قال مقاتل: يعني أهل مكة يعجزوننا ويفوتوننا.
قال الزجاج: أي قدرة الله محيطة بهم. وقرئت (لا يحسبن) بالياء على حذف المفعول الأول من يحسبن [على معنى: لا يحسبن الذين كفروا إياهم معجزين، كما تقول: زيد حسبه قائمًا، تريد: حسب نفسه قائمًا. وكأنَّه قيل: لا يحسبن] الذي كفروا أنفسهم معجزين، وهذا في باب ظننت، تطرح فيه النفس يقال: ظننتني أفعل، ولا يقال: ظننت نفسي. ولا يجوز ضربتني، استغني عنها بضربت نفسي.
هذا كلامه.