حتى إن أبا سفيان لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الموكب يقول للعباس: لقد أصبح مُلْك ابن أخيك عظيماً ، فيقول العباس: إنها النبوة يا أبا سفيان ، يعني: المسألة ليست مُلْكاً إنما هو بشائر النصر لدين الله وظهوره على معقل الأصنام والأوثان في مكة .
ثم يذهب إلى خيبر معقل أهل الكتاب من بني قَيْنُقَاع وبني النضير وبني قريظة وينتصر عليهم ، ثم تسقط في يده البحرين ومجوس هَجَر ، ويدفعون الجزية .
بعد ذلك يرسل صلى الله عليه وسلم كُتبه إلى الملوك والرؤساء يدعوهم إلى الإسلام ، فيرسل إلى النجاشي مَلِك الحبشة ، وإلى المقوقِس ، وإلى هرقل ، وإلى كسرى ، وتأتيه الهدايا من كُلِّ هؤلاء .
ويستمر المدُّ الإسلامي والوفاء بوعد الله تعالى لخليفة رسول الله ، فإنْ كان المد الإسلامي قد شمل الجزيرة العربية على عهد رسول الله ، فإنه تعدّاها إلى شتى أنحاء العالم في عهد الخلفاء الراشدين ، حتى ساد الإسلامُ العالمَ كله ، وأظهره الله على أكبر حضارتين في ذلك الوقت: حضارة فارس في الشرق ، وحضارة الروم في الغرب في وقت واحد ، ويتحقق وعد الله للذين آمنوا بأنْ يستخلفهم في الأرض .
وبعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم تتحقق النبؤات التي أخبر بها ، ومنها ما كان من أمر سراقة بن مالك الذي خرج خلف رسول الله في رحلة الهجرة يريد طلبه والفوز بجائزة قريش ، وبعد أن تاب سُرَاقة وعاد إلى الجادة كان الصحابة يعجبون لدقة ساعديْه ويصفونهما بما يدعو إلى الضحك"فكان صلى الله عليه وسلم يقول عن ساعدي سراقة: كيف بهما في سواري كسرى؟"
ويفتح المسلمون بعد ذلك مُلْك كسرى ، ويكون سِوَارا كسرى من نصيب سُرَاقة ، فيلبسهما ، ويراهما الناس في يديه .
هذه كلها بشائر ومقدمات لوعد الله يراها المؤمنون في أنفسهم ، لا فيمن يأتي بعد {وَعَدَ الله الذين آمَنُواْ مِنْكُمْ} [النور: 55] يعني المسألة لن تطول .