والحاصل أن قراءة ابن عامر وحمزة بالياء التحتية وفتح السين ، وقراءة عاصم بالتاء الفوقية وفتح السين ، وقراءة الباقين من السبعة بالتاء الفوقية وكسر السين ، وعلى قراءة من قرأ بالتاء الفوقية فلا إشكال في الآية مع فتح السين وكسرها ، لأن الخطاب بقوله: لا تحسبن للنبي صلى الله عليه وسلم ، وقوله {الذين كَفَرُوا} هو المفعول الأوّل. وقوله: {مُعْجِزِين} هو المفعول الثاني لتحسبَنَّ. وأما على قراءة: (لا يحسبن) بالياء ففي الآية إشكال معروف وذكر القرطبي الجواب عنه من ثلاثة أوجه:
الأول: أن قوله {الذين كَفَرُوا} في محل رفع فاعل (يحسبن) ، والمفعول الأوّل محذوف تقديره: (أنفسهم) . و (معجزين) : مفعول ثان: أي لا يحسبن الذين كفروا أنفسهم معجزين الله في الأرض ، وعزا هذا القول للزجاج ، والمفعول المحذوف قد تدّل عليه قراءة من قرأ بالتاء الفوقيّة كما لا يخفى ، ومفعولا الفعل القلبي يجوز حذفهما أو حذف أحدهما إن قام عليه دليل كما أشار له ابن مالك في الخلاصة بقوله:
ولا تجز هنا بلا دليل... سقوط مفعولين أو مفعول
ومثال حذف المفعولين معاً مع قيام الدليل عليهما في قوله تعالى: {أَيْنَ شُرَكَآئِيَ الذين كُنتُمْ تَزْعُمُونَ} [القصص: 6274] أي تزعمونهم شركائي. وقول الكُمَيت:
بأيِّ كتابٍ أمْ بأيَّةِ سُنَّةٍ... تَرَى حُبَّهم عاراً علَيَّ وتَحْسَبُ
أي وتحسب حبهم عاراً عليَّ ، ومثال حذف أحد المفعولين قول عنترة:
ولقد نزلت فلا تطنِّي غيره... مني بمنزلة المحبّ المكرم