وقوله تعالى: {فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ} [الحج: 15] الاستفهام هنا مِمَّنْ يعلم ، فهو استفهام للتقرير ، ليِقُروا هم بأنفسهم أن غَيْظهم سيظلُّ كما هو ، لا يشفيه شيء ، وأنهم سيموتون بغيظهم ، كما قال تعالى: {قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ . .} [آل عمران: 119] .
ثم يقول الحق سبحانه: {وكذلك أَنزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ . .} .
قوله {أَنزَلْنَاهُ . .} [الحج: 16] أي: القرآن ؛ لأن الضمير هنا كما ذكرنا مرجعه مُتعِّين ، وما دام مرجعه مُتعيناً فلا يحتاج لذكر سابق . والإنزال يحمل معنى العلو ، فإنْ رأيتَ في هذا التشريع الذي جاءك في القرآن ما يشقُّ عليك أو يحولُ بينك وبين ما تشتهيه نفسك ، فاعلم أنه من أَعْلى منك ، من الله ، وليس من مُسَاوٍ لك ، يمكن أنْ تستدرك عليه أو تناقشه: لماذا هذا الأمر؟ ولماذا هذا النهي؟ فطالما أن الأمر يأتيك من الله فلا بُدَّ أن تسمع وتطيع ولا تناقش .
ولنا أُسْوة في هذا التسليم بسيدنا أبي بكر لما قالوا له: إن صاحبك يقول: إنه أُسْرِي به الليلة من مكة إلى بيت المقدس ، ثم عُرِج به إلى السماء ، فما كان من الصِّديِّق إلا أنْ قال: إنْ كان قال فقد صدق ، هكذا دون مناقشة ، فالأمر من أعلى ، من الله .
وقلنا: إنك لو عُدْتَ مريضاً فوجدتَ بجواره كثيراً من الأدوية فسألته: لماذا كل هذا الدواء؟ قال: لقد وصفه الطبيب ، فأخذت تعترض على هذا الدواء ، وتذكر من تفاعلاته وأضراره وعناصره ، وأقحمت نفسك في مسألة لا دَخْلَ لك بها .
هذا قياس مع الفارق ومع الاعتراف بأخطاء الأطباء في وصف الدواء ، لكن لتوضيح المسألة ولله المثل الأعلى ، وصدق القائل:
سُبْحانَ مَنْ يَرِثُ الطَّبِيبَ وطِبَّهُ ... ويُرِي المريض مَصَارِعَ الآسِينا
إذن: حجة كل أمر ليس أن نعلم حكمته ، إنما يكفي أنْ نعلم الآمر به .