ومعنى {آيَاتٍ . .} [الحج: 16] أي: عجائب {بَيِّنَاتٍ . .} [الحج: 16] واضحات . وسبق أنْ ذكرنا أنْ كلمة الآيات تُطلَق على معَانٍ ثلاثة: الآيات الكونية التي تُثبِت قدرة الله ، وبها يستقر الإيمان في النفوس ، ومنها الليل والنهار والشمس والقمر ، والآيات بمعنى المعجزات المصاحبة للرسل لإثبات صِدْق بلاغهم عن الله ، والآيات التي يتكوَّن منها القرآن ، وتُسمَّى"حاملة الأحكام".
فالمعنى هنا {وكذلك أَنزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ . .} [الحج: 16] تحمل كلمة الآيات كُلَّ هذه المعاني ، فآيات القرآن فيها الآيات الكونية ، وفيها المعجزة ، وهي ذاتها آيات الأحكام .
ثم يقول سبحانه: {وَأَنَّ الله يَهْدِي مَن يُرِيدُ . .} [الحج: 16] وهذه من المسائل التي وقف الناس حولها طويلاً: {يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ . .} [النحل: 93] وأمثالها تمسَّك بها مَنْ ليس لهم حَظٌّ من الهداية ، يقولون: لم يُرِدِ الله لنا الهداية ، فماذا نفعل؟ وما ذنبنا؟
وهذه وقفة عقلية خاطئة ؛ لأن الوَقْفة العقلية تقتضي أنْ تذكر الشيء ومقابله ، أما هؤلاء فقد نبَّهوا العقل للتناقض في واحدة وتركوا الأخرى ، فهي - إذن - وَقْفة تبريرية ، فالضال الذي يقول: لقد كتب الله عليَّ الضلال ، فما ذنبي؟ لماذا لم يَقُلْ: الطائع الذي كتب الله له الهداية ، لماذا يثيبه؟!
فلماذا تركتم الخير وناقشتم في الشر؟
والمتأمل في الآيات التي تتحدث عن مشيئة الله في الإضلال والهداية يجد أنه سبحانه قد بيِّن مَنْ شاء أنْ يُضلّه ، وبين مَنْ شاء أنْ يهديه ، اقرأ قوله تعالى: {إِنَّ الله لاَ يَهْدِي القوم الكافرين} [المائدة: 67] إذن: كُفْره سابق لعدم هدايته وقوله: {إِنَّ الله لاَ يَهْدِي القوم الفاسقين} [المنافقون: 6] وقوله: {إِنَّ الله لاَ يَهْدِي القوم الظالمين} [القصص: 50] .