أقول: ولعل تضمينه معنى (خار) أسوغ للسياق لأن اللَّه اختار لإبراهيم مكان البيت واصطفاه من بين أنبيائه - وخار يتعدى باللام - والغرض من إقامة البيت منذ اللحظة الأولى هو (أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا) إنه التوحيد الخالص فهو بيت اللَّه وحده دون سواه، يطهره للطائفين والقائمين والركع السجود ولهؤلاء أنشأ البيت، فإذا فرغ من إقامته على قاعدة التوحيد الخالص كُلِّف بأن يُؤذن في الناس بالحج، فاللَّه خار له هذا المكان ليقيم البيت على أصله قبل الطوفان. فالذين حكموا بزيادة اللام - وهم أكثر المعربين - انصرفوا عن ديباجته، ولم يكترثوا بعبارته ولا للسياق الذي ينتظم فيه، ويشفع بشرح أحواله، ولا للقرينة التي وجهت مساره، ونبهت على أسبابه لقد وقفوا على اللفظ منفردا فعدلوا عن الصواب. ويبقى للحرف دوره في إدراك المطلب والإبانة عن الغرض، وللسياق حكمه في توجيه المعنى، والدلالة على القصد.
ثم لِمَ جاء التعبير"بوأنا لإبراهيم"ولم يأت اخترنا لإبراهيم؟ لو قال اخترنا لضاع علينا معنى النزول ولو قال بوأنا إبراهيم لضاع علينا معنى الاختيار. فتعدية الفعل بغير حرفه جمعت المعنيين النزول والاختيار.
إنه التضمين ... مَسْهوٌّ عنه، لا يكاد يحاط به. تراه في غاية السهولة حين ينكشف ويتضح، ولكن ما أشد صعوبته حين يستتر فلا يستبين.
يا ليته تبدو أسرّةُ وجههِ ... يا صاحِ مَن يكُ مثلُه لم يُجهلِ
انتهى انتهى {التضمين النحوي في القرآن الكريم، للدكتور/ محمد نديم فاضل} ...