وكذلك جهاد أهل الظلم والبدع ، فهو فريضة على كل مكلف على حسب استعداده ، وبقدر استطاعته ، كما
قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان» «1» .
أما جهاد الكفار والمنافقين ، فإنّه يكون بالحجة والبيان ، كما يكون جهاد الكفار أيضا بالسيف والسنان. فجهادهم بالحجة واجب أيضا من مبدأ البعثة ، كما في الأنواع السابقة ، يشهد لذلك قوله تعالى في سورة الفرقان: وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً (51) فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَجاهِدْهُمْ بِهِ جِهاداً كَبِيراً (52) [الفرقان: 51 ، 52] فالمجاهدة بالقرآن لا شك أنها من نوع الجهاد بالحجة والبرهان ، وهذا النوع فرض كفاية على الأمة ، يتصدى له أهل القدرة عليه من العلماء الواقفين على أسرار الشريعة ، العارفين بمسالك القول وطرائق الإقناع.
أما الجهاد بالسيف وغيره من آلات القتال فهذا هو الذي لم يشرع إلا بعد هجرة النبي عليه الصلاة والسلام إلى المدينة ، وهو فرض كفاية على المسلمين ، يجزئ فيه أن يقوم به بعضهم متى كانوا قادرين على أن يصدوا غارات العدو ، وأن يدفعوه عن بقية المسلمين وبلادهم ، وإلا فعلى حسب ما يرى الإمام ، حتى لو أعلن النفير العام كان فرض عين على كلّ واحد من القادرين على القتال.
وبعد فقد اختلف العلماء في المراد بالجهاد في قوله تعالى: وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ فعن ابن عباس أنّ المراد به قتال الكفار والمشركين ، وهو مرويّ عن الضحاك أيضا. وعن عبد اللّه بن المبارك: أنه مخالفة النفس والهوى ، والأولى أن يحمل على المعنى العام الذي يشمل هذا وذاك.
وقد علمت فيما سبق أنّ الراجح في سورة الحج أنها مدنية ما عدا آيات ليست هذه الآية منها ، فلا يكون حينئذ مانع من حمل الجهاد على ما يشمل قتال الكفار وغيره ، أما على اعتبار أنها مكية فيتعين تفسير الجهاد بجهاد النفس والشيطان على ما هو معروف ، إذ إن القتال لم يفرض إلا بعد الهجرة.
والجهاد في اللّه معناه الجهاد في سبيله ، ومن أجل دينه ، وحقّ الجهاد في اللّه أن يكون بقوة وعزيمة صادقة ، وأن يكون خالصا لإعلاء دين اللّه وتأييد شريعته ، فلا ينبغي للمسلم أن يخشى في الانتصار للحق لومة لائم ، كما لا يجوز له في جهاد الكفار أن يقاتل من أجل غنيمة أو غيرها من الشهوات الدنيوية.
وعلى تفسير حق الجهاد بذلك تكون الآية محكمة غير منسوخة بقوله تعالى:
(1) رواه مسلم في الصحيح (1/ 69) ، 1 - كتاب الإيمان ، 2 - باب كون النهي عن المنكر حديث رقم (49) .