الجملة السادسة: أَمَرَهُمُ الله سبحانه بقَضاءِ التَّفَثِ، وهو الوَسَخُ والقَذارَةُ من طولِ الشَّعْرِ والأَظْفارِ والشَّعَثِ، قال الشاعرُ: [البحر البسيط]
جَفَوا رُؤُوسَهُمُ لَمْ يَحْلِقُوا تَفَثاً ... ويَنْزِعُوا عَنْهُمُ قَمْلاً وصِئْبانا
وقال مالِكُ - رحمه اللهُ -: التَّقَثُ: حَلْقُ الشَّعْرِ، ولُبْسُ الثّيابِ، وما يَتْبَعُ ذلكَ.
وقد اختلفَ العلماءُ في حقيقةِ هذا الأمرِ: فمنهم من حَمَلَهُ على حقيقتِه، وقال: الحِلاقُ نُسُكٌ، وبهِ قالَ مالِكٌ، وهو الصحيحُ من قَوْلَيِ الشافعيِّ.
ومنهم من حَمَلهُ على الإباحَة؛ لتقدُّم الحَظْرِ، وبهِ قالَ الشافعيُّ في القولِ الآخرِ.
وترتيبُ قضاءِ التفثِ على الذبحِ يحتملُ أن يكونَ للاستحبابِ، ويحتملُ أن يكونَ للوجوبِ.
قال مالكٌ: الأمرُ الذي لا اختلافَ فيه عندَنا أن أَحَداً لا يَحْلِقُ رأسَهُ، ولا يأخذُ من شَعْرِهِ حتى ينحرَ هَدْياً إن كانَ معهُ، ولا يحلُّ من شيءٍ حَرُمَ عليهِ حتى يَحِلَّ بمنًى يومَ النَّحْرِ، وذلكَ أنَّ اللهَ تبَارك وتَعالى قال: {وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} [البقرة: 196] ، وقَد قَدَّمْتُ الكلامَ على هذا في"سورة البقرة"عند هذه الآية.
الجملة السابعة: أَمَرَهُمُ اللهُ تعالى بإيفاءِ النُّذورِ، والأَمْرُ فيهِ للوجوبِ.
وعلى وُجوبِ الوفاءِ بالنذرِ أجمعَ المُسلمونَ، وبوَفائه مدَحِ اللهُ سبحانَه عبادَه الصالحينَ، فقال: {يُوفُونَ بِالنَّذْرِ} [الإنسان: 7] ، وذمَّ على ترْكِهِ المنافقينَ، فقال: {وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ} [التوبة: 75] الآيات.
وذِكْرُ اللهِ سبحانَهُ لَهُ بلفظ الجَمْعِ:
يحتملُ أن يكونَ تَعْظيماً لشأنه، ولهذا قالَتْ عائشةُ - رضيَ اللهُ تعالى عنها -: إن النذرَ شَأْنُهُ عظيمٌ.
ويحتملُ أن يكونَ لكثرةِ أنواعِه وأقسامِه، فإنه ينقسمُ إلى مُطْلَقٍ وإلى مُعَلَّقٍ، فالمُطْلَق هو الخارِجُ مخرجَ الخَبَرِ ينقسمُ إلى مُصَرَّحٍ فيه بالمَنْذورِ، وإلى غيره.
فالمصرَّحُ فيهِ بجهةِ النَّذْرِ كقوله: (عَلَيَّ للهِ نَذْرٌ أَنْ أَحُجَّ) ، وهذا لازمٌ عندَ الجمهورِ، وللشافعيةِ وَجْهُ أنه لا يصحُّ، وأظنُّه قولَ بعضِ السلف.