فَأَرادَ رَبُّكَ ومالك أمرك ومدير شئونك، والذي يجب عليك أن تستسلم وتنقاد لإرادته.
أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما أي: كمال رشدهما، وتمام نموهما وقوتهما.
ويستخرجا كنزهما من تحت هذا الجدار وهما قادران على حمايته، ولولا أنى أقمته لا نقض وخرج الكنز من تحته قبل اقتدارهما على حفظه وعلى حسن التصرف فيه.
رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ أي: وما أراده ربك - يا موسى - بهذين الغلامين، هو الرحمة التي ليس بعدها رحمة، والحكمة التي ليس بعدها حكمة.
فقوله «رحمة» مفعول لأجله.
ثم ينفض الخضر يده من أن يكون قد تصرف بغير أمر ربه فيقول: وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً.
أي: وما فعلت ما فعلته عن اجتهاد منى، أو عن رأيى الشخصي، وإنما فعلت ما فعلت بأمر ربي ومالك أمرى، وذلك الذي ذكرته لك من تأويل تلك الأحداث هو الذي لم تستطع عليه صبرا، ولم تطق السكوت عليه، لأنك لم يطلعك الله - تعالى - على خفايا تلك الأمور وبواطنها .. كما أطلعنى.
وحذفت التاء من تَسْطِعْ تخفيفا. يقال: استطاع فلان هذا الشيء واستطاعه بمعنى أطاقه وقدر عليه.
وبذلك انكشف المستور لموسى عليه السلام - وظهر ما كان خافيا عليه.
هذا، وقد ساق الإمام ابن كثير عند تفسيره لآيات تلك القصة جملة من الأحاديث، منها ما رواه الشيخان، ومنها ما رواه غيرهما، ونكتفي هنا بذكر حديث واحد.
قال - رحمه الله - قال البخاري: حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، حدثنا عمرو بن دينار، أخبرنى سعيد بن جبير قال. قلت لابن عباس: إن نوفا البكالي يزعم أن موسى صاحب الخضر ليس هو موسى نبي بني إسرائيل.
قال ابن عباس: كذب عدو الله، حدثنا أبى بن كعب أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن موسى قام خطيبا في بني إسرائيل، فسئل أي الناس أعلم؟ فقال: أنا. فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه. فأوحى الله إليه: إن عبدا بمجمع البحرين هو أعلم منك. فقال موسى: يا رب، وكيف لي به؟
قال: تأخذ معك حوتا، تجعله بمكتل، فحيثما فقدت الحوت فهو ثم».