{فَوَجَدَا} ؛ أي: فوجد الخضر وموسى عليهما السلام {فِيهَا} ؛ أي: في تلك القرية {جِدَارًا} ؛ أي: حائطاً مائلاً {يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ} ؛ أي: يقرب أن يسقط فمسحه بيده {فَأَقَامَهُ} ؛ أي: أقام الخضر الجدار بالإشارة بيده فاستقام، أو هدمه ثم بناه، وعن ابن عباس: دفعه بيده فاستقام، وهذا أليق بحال الأنبياء، وكان ارتفاع الجدار مائة ذراع، وعرضه خمسون ذراعًا، وامتداده على وجه الأرض خمس مائة ذراع، والمعنى: فوجدا في القرية حائطاً مائلاً، مشرفاً على السقوط، فمسحه بيده، فقام واستوى وكان ذلك من معجزاته {قَالَ} له موسى لضرورة الحاجة إلى الطعام {لَوْ شِئْتَ} يا خضر أخذ الأجرة {لَاتَّخَذْتَ} ؛ أي: لأخذت {عَلَيْهِ} ؛ أي: على عملك هذا {أَجْرًا} ؛ أي: أجرة حتى تشتري بها طعامًا؛ أي: كان ينبغي لك أن تأخذ منهم جعلًا على عملك، لتقصيرهم فينا مع حاجتنا، وليس لنا في إصلاح الجدار فائدة، فهو من فضول العمل.
قال بعضهم: لما قال له: {لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا} .. قال الخضر: أليس كنت في البحر ولم تغرق بغير سفينة، ولما قال: {أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ} .. قال أليس قتلت القبطي بغير ذنب، ولما قال: {لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا} قال: أنسيت سقياك لبنات شعيب من غير أجرة، وهذا من باب لطائف المحاورات.
قال بعضهم: إن قلت: كيف جوز موسى طلب الأجر بمقابلة العمل الذي حصل بمجرد الإشارة، وهو من طريق خرق العادة الذي لا مؤنة فيه؟
قلت: لم ينظر إلى جانب الأسباب، وإنما نظر إلى النفع العائد إلى جانب أصحاب الجدار، ألا ترى أنه جوز أخذ الأجرة بمقابلة الرقية بسورة الفاتحة ونحوها، وهو ليس من قبيل طلب الأجر على الدعوة، فإنه لا يجوز للنبي أن يطلب أجرًا من قومه على دعوته وإرشاده، كما أشير إليه في مواضع كثيرة من القرآن.
والمعنى: أي قال موسى ذلك تحريضًا للخضر، وحثًا له على أخذ الجعل - الأجر - على فعله، لإنفاقه في ثمن الطعام والشراب وسائر مهام المعيشة.