الاستفهام بمعنى النفي، ونفي النفي إثبات وهو هنا يفيد الاستنكار والتوبيخ، والمعنى لقد قلت لك إنك لن تستطيع معي صبرا؛ أي في صحبتي صبرا، لأنك تسير مع ما يحكم به على الأشياء والأعمال في الحياة، والعبد الصالح يعلم علم الحقيقة، وهو نتائج الأعمال في العلم المغيب عن الناس جميعا في هذه، فهو يخالف بين العلم بالأحكام التي تحكم بين الناس، والعلم بالحقائق التي يقررها اللَّه تعالى، ونتائجها، فالفرق بين العلمين، العلم بما ينظم الناس عليه أمورهم والعلم برب الوجود، وما قدره الله تعالى.
أدرك كليم اللَّه تعالى خطأه، واستدرك أمره، فقال معتذرا:
(قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا(73)
لا تؤاخذني بطلب رفع المؤاخذة بسبب النسيان، فـ"ما"وما بعدها مصدر، والنسيان يرفع المؤاخذة ويسقط التبعة، وما تركت من وصيتك من ألا أسألك عن شيء قبل أن تحدث أنت منه ذكرا - إلا للنسيان (وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا) ، أي لا تشتد على في التعنيف فيكون الإرهاق الشديد، والمعنى اللفظي لَا ترهقني عسرا من أمري فتغلظ على الصحبة التي أريدها.
ولكنهما سارا مصطحبين، فكان أمر أشد غرابة، وأعنف مظهرا من خرق السفينة، وهو قتل غلام، ولقد قال تعالى:
(فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا(74)
انطلقا سائرين على سيف البحر، ولكن حدث ما أثار استغراب موسى بل استنكاره (حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ) ، أي أن السير استمر إلى غاية، وهو لقاء غلام، والفاء في قوله تعالى: (فَقَتَلَهُ) للتعقيب، أي أنه قتله فور لقائه، وهذا يدل على أنه لم يرتكَب ما يسوغ القتل؛ إذ إن القتل كان فور اللقاء.