وهنا يتخالف مع علم الحلال والحرام، وعلم الحقيقة الغيبية فيكون الاستغراب، ويقول موسى الكليم مستغربا لائما (أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكيَّةً) ، أي طاهرة غير معتدية نامية، لأنها في باكورة حياتها، إذ التزكية التنمية، بغير مسوغ يسوغ لك هذا الفعل؛ ولذا قال بغير نفس، أي حتى يكون القتل قصاصا لَا اعتداء فيه (لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا) أي أمرا منكرا في ذاته تستنكره العقول، ويخالف كل معقول.
وقد كان الفعل شديدا، والاستنكار شديدا، وهو أيضا من التخالف بين علم الحلال والحرام، وعلم الحقيقة الغيبية، وقد وصفه كما ذكرنا بأنه شيء نكر، تنكره العقول وكل عرف إنساني، وقد كان اللوم على الاستغراب أشد.
ولقد قال تعالى في بقية القصة الصادقة:
(قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا(75) قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا (76)
كان استغراب موسى شديدا، وكان معه استنكار ووصف له بالنكر، ولذلك كان التذكير بأنه لم يستطع صبرا بأسلوب قوي فيه لوم أشد، فقال تعالى:
(قَالَ أَلَمْ أَقل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا) .
فقد زيد (لَكَ) عن اللوم السابق الخاص بخرق السفينة، وهي تفيد مزيد اللوم، إذ إنه يذكره بأن الخطاب كان له، وفي ذلك فضل توكيد للوم، لأنه لم يكن الخطاب لغيره، بل كان له ابتداء، والاستفهام للإنكار بمعنى إنكار الوقوع مع اللوم وتحقيق القول، والمعنى لقد قلت لك إنك لن تستطيع معي صبرا، وفيه تأكيد لعدم الاستطاعة بالجملة الاسمية و"إن"الدالة على التوكيد، و"لن"المؤكدة للنفي، وتنكير الصبر، أي صبرا كان قليلا أو كثيرا.
لقد قال موسى لصاحبه في المرة الأولى: (وَلا ترْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا) ، أي لَا ترهقني عسرا من أمري، فتجعلني في عسر من صحبتك بل تغاض، وسهِّل
الصحبة وقرِّبها، أما في هذه المرة فقد أحس بشدته هو على العبد الصالح، إذ قال إن ما فعلته نكر.
أحس موسى - كليم اللَّه تعالى - بشدة اللوم، وأحس بأنه كان منه ما أوجبه، ولذا قال في حال تشبه الاعتذار: