وقال الشهاب: وإنما خص هذا بالتخفيف لأنه لما تكرر في القصة ناسب تخفيف الأخير منه . وأما كونه للإشارة إلى أنه خف على موسى صلى الله عليه وسلم ما لقيه ببيان سببه - فيبعد أنه في الحكاية ، لا المحكي . انتهى .
وما ألطف قول الشهاب في مثله: هذه زهرة لا تحتمل هذا الفرك .
الخامس: قال الإمام السبكي رحمه الله: ما فعله الخضر عليه الصلاة والسلام من قتل الغلام لكونه طبع كافراً ، مخصوص به . لأنه أوحي إليه أن يعمل بالباطن ، وخلاف الظاهر الموافق للحكمة . فلا إشكال فيه . وإن علم من الشريعة أنه لا يجوز قتل صغير لا سيما بين أبوين مؤمنين . ولو فرضنا أن الله أطلع بعض أوليائه ، كما أطلع الخضر عليه السلام ، لم يجز له ذلك ، وما ورد عن ابن عباس لما كتب إليه نجدة الحروريّ: كيف قتله وقد نهى النبيّ صلى الله عليه وسلم عن قتل الولدان ؟ فكتب إليه: إن كنت علمت من حال الولدان ، ما علمه عالم موسى ، فلك أن تقتل فإنما قصد به ابن عباس المحاجّة والإحالة على ما لم يمكن قطعاً ، لطمعه في الاحتجاج بقصة الخضر عليه الصلاة والسلام . وليس مقصوده أنه إن حصل ذلك يجوز . لأنه لا تقتضيه الشريعة . وكيف يقتل بسبب لم يحصل ؟ والمولود لا يوصف بكفر حقيقي ولا إيمان حقيقي . وقصة الخضر تحمل على أنه كان شرعاً مستقلاً به . وهو نبيّ . وليس في شريعة موسى أيضاً ، ولذا أنكره . انتهى .
وقال الحافظ ابن حجر في"الفتح": وأما من استدل به على جواز دفع أغلظ الضررين بأخفهما ، فصحيح . لكن فيما لا يعارض منصوص الشرع . فلا يسوغ الإقدام على قتل النفس ممن يتوقع منه أن يقتل أنفساً كثيرة ، قبل أن يتعاطى شيئاً من ذلك . وإنما فعل الخضر ذلك لإطلاع الله تعالى عليه .