فقال - عليه الرحمة: كأنه جعل السبب في إعابتها كونها لمساكين . ثم بين مناسبة هذا السبب للمسبب ، بذكر عادة الملك في غصب السفن . وهذا هو حد الترتيب في التعليل أن يرتب الحكم على السبب ، ثم يوضح المناسبة فيما بعد . فلا يحتاج إلى جعله مقدماً ، والنية تأخيره . والله أعلم .
ثم قال: ولقد تأملت من فصاحة هذه الآي ، والمخالفة بينها في الأسلوب عجباً . ألا تراه في الأولى أسند الفعل إلى ضميره خاصة بقوله: {فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا} وأسنده في الثانية إلى ضمير الجماعة والمعظم نفسه في قوله: {فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا} {فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا} ولعل إسناد الأول إلى نفسه خاصة من باب الأدب مع الله تعالى ، لأن المراد ثم عبت فتأدب بأن نسب الإعابة إلى نفسه . وأما إسناد الثاني إلى الضمير المذكور فالظاهر أنه من باب قول خواص الملك: أمرنا بكذا أو دبرنا كذا وإنما يعنون: أَمَرَ الملكُ ودَبَّرَ ويدل على ذلك قوله في الثالثة: {فَأَرَادَ رَبَُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا} فانظر كيف تغايرت هذه الأساليب ، ولم تأت على نمط واحد مكرر ، يمجها السمع وينبو عنها ، ثم انطوت هذه المخالفة على رعاية الأسرار المذكورة . فسبحان اللطيف الخبير .
الثالث: قال الخفاجيّ: في إعادة لفظ الأهل هنا ، يعني في قوله تعالى: {اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا} إثر قوله: {أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ} سؤال مشهور . وقد نظمه الصلاح الصفدي سائلاً عنه السبكيّ في قصيدة منها:
رأيت كتابَ الله أعظمَ معجزٍ لأفضل مَن يُهْدَى به الثّقَلاَنِ
ومن جملة الإعجاز كون اختصاره بإِيجاز ألفاظ وبسط معاني
ولكنني في الكهف أبصرت آية بها الفكر ، في طول الزمان عناني
وما هي إلا استطعما أهلها فقد نرى استطعماهم مثله ببيان
فما الحكمة الغراء في وضع ظاهر مكان ضمير ؟ إن ذاك لِشان