ومعنى الانقضاض: السقوط بسرعة ، يقال: انقضّ الحائط إذا وقع ، وانقض الطائر إذا هوى من طيرانه فسقط على شيء ، ومعنى {فأقامه} : فسوّاه ، لأنه وجده مائلاً فردّه كما كان ؛ وقيل: نقضه وبناه ؛ وقيل: أقامه بعمود.
وقد تقدّم في الحديث الصحيح أنه مسحه بيده {قَالَ} موسى {لَوْ شِئْتَ لاَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً} أي: على إقامته وإصلاحه ، تحريضاً من موسى للخضر على أخذ الأجر.
قال الفراء: معناه لو شئت لم تقمه حتى يقرونا فهو الأجر ، قرأ أبو عمرو ، ويعقوب ، وابن كثير ، وابن محيصن ، واليزيدي ، والحسن (لتخذت) يقال: تخذ فلان يتخذ تخذاً مثل: اتخذ.
وقرأ الباقون {لاتخذت} .
{قَالَ} الخضر {هذا فِرَاقُ بَيْنِى وَبَيْنِكَ} على إضافة {فراق} إلى الظرف اتساعاً ، أي: هذا الكلام والإنكار منك على ترك الأجر هو المفرق بيننا.
قال الزجاج: المعنى: هذا فراق بيننا ، أي: هذا فراق اتصالنا ، وكرّر"بين"تأكيداً ، ولما قال الخضر لموسى بهذا ، أخذ في بيان الوجه الذي فعل بسببه تلك الأفعال التي أنكرها موسى فقال: {سَأُنَبّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْراً} والتأويل: رجوع الشيء إلى مآله.
ثم شرع في البيان له فقال: {أَمَّا السفينة} يعني: التي خرقها {فَكَانَتْ لمساكين} لضعفاء لا يقدرون على دفع من أراد ظلمهم {يَعْمَلُونَ فِى البحر} ولم يكن لهم مال غير تلك السفينة يكرونها من الذين يركبون البحر ويأخذون الأجرة ، وقد استدل الشافعي بهذه الآية على أن الفقير أسوأ حالاً من المسكين {فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا} أي: أجعلها ذات عيب بنزع ما نزعته منها {وَكَانَ ورائهم ملك} قال المفسرون: يعني أمامهم ، ووراء يكون بمعنى: أمام ، وقد مرّ الكلام على هذا في قوله: {وَمِن وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ} [إبراهيم: 17] .