من أعطي حقيقة علم وصدق يقين سموه: خائفًا، قد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من
أخوف الخلق، وكان المعهود منه الوقار والسكينة والتمكين والتثبت في الأحوال،
ولم يكن وصفه القلق والانزعاج ولا الوله والاستهتار، وكان قد وسع قلبه
لرفيع الصفات وشرح صدره لعظائم الأحوال، وكان مع الصبي بمعناه، ومع
الأعرابي بوصفه، ومع المرأة بنحوها، لحكمة الله - جل ذكره - فيهم، ليعلمهم مما
عنده، ويخاطبهم في عقولهم، ويظهر لهم منه مثل وصفهم؛ ليوصل إليهم من الأنس
نصيبهم ويوفيهم من الدرك منه حقوقهم؛ لئلا تعظم هيبته في صدروهم فينقطعون
لذلك عن سؤالهم، والأنس به جبلة جبل عليها تعلم ذلك من العليم الحكيم؛
لذلك قال - عز من قائل: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ(4) .
يقول: على خلق الربوبية والعلم أصل للخوف والرجاء، وهما حالان في العلم
والرجاء، والخوف كالليل والنهار يكوران هذا على هذا وهذا على هذا، وكما جاء
بأن يغير على المدة لأحدهما فيقال: ثلاثة أيام وثلاث ليال؛ لأن أحدهما لبسه
الآخر، كذلك جاز أن يعبر عن أحدهما بالآخر، وجاز هذا بذكر الخوف والخشية
في خطاب القرآن بمعنى التنزل المعهود منه - جلَّ جلالُه - عن عظمة جبروته وعلى كبريائه
إلى خطاب عباده، ولضرب من الابتلاء لبعضهم في ذلك، وكان ذلك آية لا على أن
من أصابه مكروه في مال أو ولد أو نفس ما كان مؤمنًا، فليختر إرادة الله به وإن كان
هو لا يعلم ما هو ذلك الخير، فقد أبدل الله - جل ذكره - من الأبوين ذلك الغلام
(خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا(81) .
ثمِ قال: (وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا
وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا ... (82) . وقرأ ابن عباس:"فوجدا فيها جدارًا يريد أن"
ينقض فهدمه ثم قعد يبنيه"وفي قراءة أبي:"لو شئت لأوتيت عليه أجرًا"وكان ما"
قضاه الله - جل ذكره - على يد الخضر - عليه السَّلام - آية على أن العبد الصالح يحفظ
في عقبه من بعده، وكان الجدار قائمًا مقام الوصي الأمين النصيح للأيتام، وأن الله