وكون {وراءهم} بمعنى أمامهم قول قتادة وأبي عبيد وابن السكيت والزجاج ، ولا خلاف عند أهل اللغة أن وراء يجوز بمعنى قدام ، وجاء في التنزيل والشعر قال تعالى {من ورائه جهنم} وقال {ومن ورائه عذاب غليظ} وقال {ومن ورائهم برزخ} وقال لبيد:
أليس ورائي إن تراخت منيتي ...
لزوم العصا يحني عليها الأصابع
وقال سوار بن المضرب السعدي:
أيرجو بنو مروان سمعي وطاعتي ...
وقومي تميم والفلاة ورائيا
وقال آخر:
أليس ورائي أن أدب على العصا ...
فتأمن أعداء وتسأمني أهلي
وقال ابن عطية: وقوله {وراءهم} عندي هو على بابه ، وذلك أن هذه الألفاظ إنما تجيء يراعى بها الزمن ، والذي يأتي بعد هو الوراء وهو ما خلف ، وذلك بخلاف ما يظهر بادي الرأي ، وتأمل هذه الألفاظ في مواضعها حيث وردت تجدها تطرد ، فهذه الآية معناها أن هؤلاء وعملهم وسعيهم يأتي بعده في الزمن غصب هذا الملك ، ومن قرأ أمامهم أراد في المكان أي إنهم كانوا يسيرون إلى بلده وقوله تعالى في التوراة والإنجيل.
إنها بين يدي القرآن ، مطرد على ما قلناه في الزمن.
وقوله {من ورائهم جهنم} مطرد كما قلنا من مراعاة الزمن.
وقول النبيّ (صلى الله عليه وسلم) :"الصلاة أمامك"يريد في المكان ، وإلاّ فكونهم في ذلك الوقت كان أمام الصلاة في الزمن.
وتأمل هذه المقالة فإنها مريحة من شغب هذه الألفاظ ووقع لقتادة في كتب الطبري {وكان وراءهم ملك} .
قال قتادة: أمامهم ألا ترى أنه يقول {من ورائهم جهنم} وهي من بين أيديهم ، وهذا القول غير مستقيم وهذه هي العجة التي كان الحسن بن أبي الحسن يضج منها قاله الزجّاج.
ويجوز أن كان رجوعهم في طريقهم على الغاصب فكان وراءهم حقيقة انتهى.
وهو كلام فيه تكثير وكأنه ينظر إلى ما قاله الفراء.