المشاهدة والمكاشفة يطهر العبد من كل دناءة، ومتى كان كذلك فهو فتى، لأنه إذا
غلب الذكر الهوى فقد جمع أخلاق الفتوة وصفات العبودية، والفتوة مبنية على
المروءة والصيانة.
جمع ذلك قول الله - جلَّ جلالُه - في وصفه للأبرار: (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ) هذه هي
المروءة (لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا(9) . هذه هي الصيانة.
وللفتوة ثلاث شعب: الصدق والصبر والشجاعة، وتجمعت هذه في أصحاب
الكهف، وآية واحدة من القرآن جمعت أخلاق الفتوة قوله - جلَّ من قائل:
(خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ(199) .
ونقيض الفتوة سوء الخلق، وهو مطالبتك غيرك أن يوافقك دون أن تطالب
نفسك بموافقته، وقد قالوا: من سوء الخلق ألا يحتمل معاملة سيئ الخلق، ومن
أخلاق الفتيان كف الأذى واحتمالهم من غيرهم، قال الله - عزَّ من قائل: (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [السَّيِّئَةَ] ) .
وقال): (وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي
بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) .
(وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ(35) .
وكمال الفتوة في كمال المروءة، وكمال المروءة عبارة عن كمال العبودية،
والسامع إنما يرد التأويل إلى مقدار إيماء المفهوم عنده من المعنى المتكلم فيه،
وقد كانت للأنبياء والرسل والأولياء أخلاق وحدة لكنها كلها معلقة بما
يعلمه الله من قلب عبده، فمن كانت محبة الله الغالبة على قلبه كانت أخلاقه تابعة
لمحبة الله - جل ذكره - إذ الله عاصمهم في متقلبهم ومثواهم، فإن غضبوا فلله وإن
رضوا فلله؛ كغضب موسى على هارون - عليهما السلام - يوم أخذ برأسه وجرَّه
إليه، وكفعله مع الخضر - علهما السلام.
قال تعالى: (وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا ...(14) . يريد لأمرهم هذا
المحكي عنه ربط على قلوبهم بالصبر على مخالفة الهوى ومفارقة الوطن