وخامسها: أنه وقعت الإشارة بذلك إلى"ألم"بعد ما سبق التكلم به وانقضى ، والمنقضى فِي حكم المتباعد ، وسادسها: أنه لما وصل من المرسل إلى المرسل إليه وقع فِي حد البعد ، كما تقول لصاحبك وقد أعطيته شيئاً احتفظ بذلك.
وسابعها: أن القرآن لما اشتمل على حكم عظيمة وعلوم كثيرة يتعسر اطلاع القوة البشرية عليها بأسرها والقرآن وإن كان حاضراً نظراً إلى صورته لكنه غائب نظراً إلى أسراره وحقائقه فجاز أن يشار إليه كما يشار إلى البعيد الغائب.
"ذلك"يشار بها للقريب والبعيد:
المقام الثاني: سلمنا أن المشار إليه حاضر ، لكن لا نسلم أن لفظة"ذلك"لا يشار بها إلا إلى البعيد ، بيانه أن ذلك ، وهذا حرفاً إشارة ، وأصلهما"ذا"؛ لأنه حرف للإشارة ، قال تعالى: {مَّن ذَا الذي يُقْرِضُ الله قَرْضًا حَسَنًا} [البقرة: 245] ومعنى"ها"تنبيه ، فإذا قرب الشيء أشير إليه فقيل: هذا ، أي تنبه أيها المخاطب لما أشرت إليه فإنه حاضر لك بحيث تراه ، وقد تدخل الكاف على"ذا"للمخاطبة واللام لتأكيد معنى الإشارة فقيل:"ذلك"فكأن المتكلم بالغ فِي التنبيه لتأخر المشار إليه عنه ، فهذا يدل على أن لفظة ذلك لا تفيدالبعد فِي أصل الوضع ، بل اختص فِي العرف بالإشارة إلى البعيد للقرينة التي ذكرناها ، فصارت كالدابة ، فإنها مختصة فِي العرف بالفرس ، وإن كانت فِي أصل الوضع متناولة لكل ما يدب على الأرض ، وإذا ثبت هذا فنقول: إنا نحمله ههنا على مقتضى الوضع اللغوي ، لا على مقتضى الوضع.