تحدثتْ الآية في أولها عن التكليف ، وهذا هو الجزاء ، و عَسَى تدل على رجاء حدوث الفعل ، وفَرْق بين التمني والرجاء ، التمني: أن تعلن أنك تحب شيئاً لكنه غير ممكن الحدوث أو مستحيل ، ومن ذلك قول الشاعر:لَيْتَ الكَواكِبَ تَدْنُو ليِ فَأنْظِمُهَا فالشاعر يتمنى لو أصبحت الكواكب بين يديه فينظمها قصائد مدح فيمن يمدحه ، وهذا أمر مستحيل الحدوث.
وقوله:أَلاَ لَيْتَ الشَّباب يعُودُ يَوْماً فَأُخبرُه بِمَا فَعَلَ المشيِبُأما الرجاء فهو طلب فعل ممكن الحدوث.
ويقع تحت الطلب أشياء متعددة ؛ فإنْ طلب المتكلم من المخاطب شيئاً غير ممكن الحدوث فهو تمنٍّ ، وإن طلب شيئاً ممكن الحدوث فهو ترجٍّ ، وإنْ طلب صورة الشيء لا حقيقته فهو استفهام كما تقول: أين زيد؟ وفَرْقٌ بين طلب الحقيقة وطلب الصورة.
فإنْ طلبتَ حقيقة الشيء ، فأمامك حالتان: إما أنْ تطلب الحقيقة على أنها تُفعل فهذا أمر ، مثل: قُمْ: فإنْ طلبتها على أنها لا تفعل فهذا نهي: لا تَقُمْ.
إذن: عَسَى تدل على الرجاء ، وهو يختلف باختلاف المرجو منه ، فإنْ رجوت من فلان فقد يعطيك أو يخذلك ، فإنْ قُلْتَ: عسى أنْ أعطيك فقد قربت الرجاء ؛ لأنني أرجو من نفسي ، لكن الإنسان بطبعه صاحب أغيار ، ويمكن أن تطرأ عليه ظروف فلا يَفِي بما وعد.
فإنْ قُلْت: عسى الله أن يعطيك ، فهو أقوى الرجاء ؛ لأنك رجوتَ مَنْ لا يُعجِزه شيء ، ولا يتعاظمه شيء ، ولا تتناوله الأغيار إذن: فالرجاء فيه مُحقَّق لاَ شَكَّ فيه.
والمقام المحمود ، كلمة محمود: أي الذي يقع عليه الحمد ، والحمد هنا مشاع فلم يَقُلْ: محمود مِمَّنْ؟ فهو محمود مِمَّنْ يمكن أن يتأتّى منه الحمد ، محمود من الكل من لَدُنْ آدم ، وحتى قيام الساعة.