يقول الله - جلَّ جلالُه -: (إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ(99)
فالتعوذ بالله منه والتوكل عليه حرز منه، وقد أخبر الله وقوله الحق أن
من عباده من ليس له عليهم سلطان، وهم المؤمنون بالله المتوكلون على الله، وعلى
قدر النزول على تحقيق هذه المرتبة ينحل عنه ضمان العصمة حتى ينزل إلى الذين
قال فيهم: (إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ) وهم العصاة (وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ
مُشْرِكُونَ (100) . عبدته.
قوله - جلَّ جلالُه -: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ...(125) . الحكمة هنا هي
حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، والحكمة أيضًا هو فهم القرآن، وكل كلام هو بحكم الظاهر
بالباطن معبر عن الحق فهو حكمة (وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) إن
كان السيف مقدورًا عليه فهو أحسن، وإن لم يكن مقدورًا عليه فالحجة والكلام
[....] الموعظة، وإن كانوا من أهل الكتاب فقل لهم: (آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ
إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (46) . هكذا إلى أن
يحكم الله بيننا وبينهم.
ثم قال: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ ...(126) . أمر المؤمنين
ألا يتعدوا في العقوبة بمقدار ما هو عقوبة ومن أجله، والصبر جميل وأحسن.
ثُمَّ قال عز من قائل: (وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ ...(127) . والصبر بالله
ولله ومراتب عباد الله في الصبر ترجع إلى وجهين:
أحدهما: تكلف الصبر واحتمال المشقة وهذا هو الصبر.
والوجه الآخر: يكون من هذا الموصوف، فالصبر خلق وسجية، وهذا بعض
وجوه الحكم، واسم الله - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه الصبور هو من هذا القسم والله
أعلم؛ إذ لا يوصف صفاته بتنازع فيضطر لأجل ذلك إلى التصبر ومن المكابدة
بالتكليف، وقد يكون هذا في ذي الكيس عن تفعل وتحمل للمشقة [....] الصبر
حتى يألف ذلك فلا يجد له مشقة، بل روحًا وراحة، وقد يألف المرء المكروه بلزوم
العادة.