وقَالَ بَعْضُهُمْ: الكتاب: هو التنزيل، والحكمة: هي المعنى المودع فيه؛ فمن يقول: إن الكتاب والحكمة واحد، وهي القرآن يقول في قوله: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ) : القرآن، ومن يقول عنه: إنهما غيرٌ - يقول - هاهنا -: إن الحكمة: الحجة والبرهان، إما من جهة الإلهام أو من جهة الانتزاع من الكتاب.
ويحتمل أن يكون قوله: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ) : التي ذكر في هذه السورة؛ من ذلك قوله: (يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ) : يعني: من بطون النحل، وقوله: (وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ) وما ذكر أنه يخرج من الخشب اليابسة - الأعناب وأنواع الثمرات ونحوه؛ فذلك كله بحكمته، أي: ادعهم إلى دينه وذكرهم بهذا، وهم يقرون به؛ ليقبلوا دينه ويخضعوا لأمره.
والموعظة الحسنة: ما ذكر في قوله: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ...) الآية. وذلك كله مستحسن في العقل وتوجبه الحكمة؛ لأن العدل والإحسان، وما ذكر من إيتاء ذي القربى - الصدقة - مستحسن في عقل كل أحد. والانتهاء - أيضًا - عن الفحشاء والمنكر مستحسن، مستقبح ارتكابه وإتيانه؛ كأن الحكمة هي التي تشتمل على العلم والعمل جميعًا؛ كأنه قال: ادعهم إلى دين اللَّه بالعلم والعمل جميعًا؛ حتى ينجع ذلك فيهم؛ أو: ادعهم باللين وخفض الجناح مرة، وبالعنف والخشونة ثانيًا؛ فيكون وضع الشيء موضعه، ثم قال: (يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) .
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) .
يحتمل - واللَّه أعلم - أي: جادلهم بالذي يقرون على ما ينكرون، وهو ما ذكر: (أَفَمَنْ يَخْلُقُ...) الآية، وقوله: (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا)