وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَمَرَ مَنْ عُوقِبَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ بِعُقُوبَةٍ أَنْ يُعَاقِبَ مَنْ عَاقَبَهُ بِمِثْلِ الَّذِي عُوقِبَ بِهِ، إِنِ اخْتَارَ عُقُوبَتَهُ، وَأَعْلَمَهُ أَنَّ الصَّبْرَ عَلَى تَرْكِ عُقُوبَتِهِ عَلَى مَا كَانَ مِنْهُ إِلَيْهِ خَيْرٌ، وَعَزَمَ عَلَى نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَصْبِرَ، وَذَلِكَ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ ظَاهَرُ التَّنْزِيلِ، وَالتَّأْوِيلَاتُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا عَمَّنْ ذَكَرُوهَا عَنْهُ مُحْتَمِلَتُهَا الْآيَةُ كُلُّهَا فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، وَلَمْ يَكُنْ فِي الْآيَةِ دَلَالَةٌ عَلَى أَيِ ذَلِكَ عَنَى بِهَا مَنْ خُبِّرَ وَلَا عَقَلَ كَانَ الْوَاجِبُ عَلَيْنَا الْحُكْمَ بِهَا إِلَى نَاطِقٍ لَا دَلَالَةٌ عَلَيْهِ، وَأَنْ يُقَالَ: هِيَ آيَةٌ مُحْكَمَةٌ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ عِبَادَهُ أَنْ لَا يَتَجَاوَزُوا فِيمَا وَجَبَ لَهُمْ قَبْلَ غَيْرِهِمْ مِنْ حَقٍّ مِنْ مَالٍ أَوْ نَفْسٍ الْحَقَّ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ لَهُمْ إِلَى غَيْرِهِ، وَأَنَّهَا غَيْرُ مَنْسُوخَةٍ، إِذْ كَانَ لَا دَلَالَةَ عَلَى نَسْخِهَا، وَأَنَّ لِلْقَوْلِ بِأَنَّهَا مُحْكَمَةٌ وَجْهًا صَحِيحًا مَفْهُومًا.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (127) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَاصْبِرْ يَا مُحَمَّدُ عَلَى مَا أَصَابَكَ مِنْ أَذًى فِي اللَّهِ {وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ}
يَقُولُ: وَمَا صَبْرُكَ إِنْ صَبَرْتَ إِلَّا بِمَعُونَةِ اللَّهِ وَتَوْفِيقِهِ إِيَّاكَ لِذَلِكَ {وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ}
يَقُولُ: وَلَا تَحْزَنْ عَلَى هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَكَ وَيُنْكِرُونَ مَا جِئْتَهُمْ بِهِ فِي أَنْ وَلَّوْا عَنْكَ وَأَعْرَضُوا عَمَّا أَتَيْتَهُمْ بِهِ مِنَ النَّصِيحَةِ {وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ}
يَقُولُ: وَلَا يَضِقْ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ مِنَ الْجَهْلِ وَنِسْبَتُهُمْ مَا جِئْتَهُمْ بِهِ إِلَى أَنَّهُ سِحْرٌ أَوْ شِعْرٌ أَوْ كَهَانَةٌ {مِمَّا يَمْكُرُونَ} مِمَّا يَحْتَالُونَ بِالْخِدَعِ فِي الصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ أَرَادَ الْإِيمَانَ بِكَ وَالتَّصْدِيقَ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ.