ثم قال: {لّتَفْتَرُواْ على الله الكذب} أي: بتحريم البحيرة والسائبة {إِنَّ الذين يَفْتَرُونَ عَلَى الله الكذب لاَ يُفْلِحُونَ} أي: لا يفوزون ، ولا ينجون من العذاب {متاع قَلِيلٌ} أي: عيشهم في الدنيا قليل {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} في الآخرة.
ثم قال تعالى: {وَعَلَى الذين هَادُواْ} يقول: مالوا عن الإسلام ، وهم اليهود {حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ} أي: في القرآن من قبل هذه السورة في سورة الأنعام {وَمَا ظلمناهم} بتحريم ما حرّمنا عليهم {ولكن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} بكفرهم ، فحرَّمنا عليهم الأشياء عقوبة لهم {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ السوء بجهالة} أي: عملوا المعصية بجهالة.
وروي عن ابن عباس أنه قال: كل سوء يعمله العبد فهو فيه جاهل ، وإن كان يعلم أن ركوبه سيئة.
{ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ} أي: العمل {إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا} أي: من بعد السيئة ويقال: من بعد التوبة {لَغَفُورٌ} لذنوبهم {رَّحِيمٌ} بهم.
قوله: {إِنَّ إبراهيم كَانَ أُمَّةً قانتا لِلَّهِ} أي: إماماً يقتدى به {قانتا} أي: مطيعاً لربه.
وروى عامر عن مسروق أنه قال: ذكر عند عبد الله بن مسعود معاذ بن جبل فقال عبد الله بن مسعود: كان معاذ بن جبل أمةً قانتاً.
فقال رجل: وما الأُمة؟ قال الذي يعلِّم الناس الخير ، والقانت الذي يطيع الله ورسوله.
وقال القتبي: إنَّما سماه أمةً ، لأنه كان سبب الاجتماع.
قال: وقد يجوز أنه سماه أمةً لأنه اجتمع عنده خصال الخير.
ويقال: إنّما سماه أمةً ، لأنه آمن وحده حين لم يكن مؤمن غيره.
وهذا كما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:"يَجيءُ زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ يَوْمَ القِيَامَةِ وَحْدَهُ".